الانتفاضة // يونس مسكين
في سياق هذا النقاش الذي فجرته تصريحات تتطاير فيها الملايين والملايير، كثمن لصمت الناس أو لكلامهم، وفي إطار المساهمة في النقاش الصحي الذي يكشف للمغاربة جزءا مما يجري في الكواليس وخلف الستار، من لعبة المال والسلطة، دون تشهير او تجريح ضد أي أحد، إليكم هذه القصة التي عشتها وكنت موضوعها شخصيا:
عندما كنت أتولى إدارة نشر جريدة “أخبار اليوم” في الظروف التي تعلمونها ولا يمكن وصفها سوى بالأهوال من كل الأنواع والأصناف، حدث أن تواصل معي صديق وزميل يدير احدى المؤسسات الإعلامية، وجلسنا مطولا للحديث عن أوضاع المهنة وما كنا نعيشه في “اخبار اليوم” تحديدا، وقدّم لي عرض الالتحاق بمؤسسته لتولي مهمة رئيس تحرير، فشكرته وعبرت له عن ترحيبي المبدئي، شريطة أن اتمكن من فرصة خروج، كنت ارغب فيه وأبحث عنه بكل وضوح، من تلك التجربة، لكن دون ان يكون ذلك في شكل هروب او قفز من سفينة تغرق او تخل عن المؤسسة ومنتسبيها، او التسبب في انهيار المؤسسة بمغادرتي، وهو اختيار كلفني فرصا مهنية عديدة، داخل المغرب وخارجه، وسيأتي أوان سرد تفاصيل ذلك عندما يكون نافعا (…)
الذي سيحدث بعد شهور، وربما اكثر من سنة، هو ان تجربتي في “اخبار اليوم” انتهت بالشكل الذي لا ارى داعيا للعودة اليه الان، وانصرفت لحال سبيلي عاقدا الأمل على الرزاق الوهاب، مع قرار جازم، سأتراجع عنه لاحقا، بالبحث عن مسار جديد خارج مهنة الصحافة، لما استبدّ بي حينها من يأس وتبعات أشياء معقدة ليس هذا حينها.
مباشرة بعد إعلاني انتهاء تجربتي في “أخبار اليوم”، اتصل بي الصديق الذي كان قد عرض علي العمل معه، وكنت قد نسيت أمر العرض كليا، ولم اعد ارغب في احتراف الصحافة اصلا، وطلب لقائي بشكل مستعجل، وهو ما تم في مقهى غير بعيد من مؤسسته الإعلامية.
كنت اعتقد ان اللقاء من باب تبادل الاخبار والتعبير عن الدعم المعنوي او ما شابه، لكن صديقي كان متوترا ومنزعجا، لأكتشف خلال اللقاء انه يعتقد انني ما زلت محتفظا بالعرض المهني الذي قدمه لي سابقا.
لكن صديقي، وأنا ممتن له لصراحته معي، ودون طلب مسبق مني او تساؤل، قال لي إن العرض الذي سبق له تقديمه لم يكن صادرا عنه شخصيا، وأن جهة ما (…) دفعته اليه، وطلبت منه العمل على إقناعي بمغادرة “أخبار اليوم” لأنني كنت في نظرها العقبة الأساسية بعدما حرصت، رغم المعاناة والضغوط والمخاطر على الحفاظ على خطها التحريري، وأن تلك الجهة التي لا يروقها ذلك الخط التحريري بتاتا، قالت له بكل إشراق وبساطة: لا تحمل هم الكلفة، أقنعه فقط، ومهما كانت طلباته (أي طلباتي المادية)، فإننا سنتحملها عنك وسندفعها!
وأوضح لي هذا الصديق، الذي لا أمانع أبدا في تدخله للتعقيب او التصحيح إذا رغب في ذلك، انه لم يعد يتوفر على هذا الوعد من تلك الجهة، لان هدفها كان هو إخراجي من “أخبار اليوم”، وبما أنني غادرتها مجانا ودون ادنى كلفة، لم يعد العرض قائما…
تفهمت توتر وانزعاج صديقي، وأكدت له انني لم أغادر عملي معولا على أي بديل، بل أنوي الخروج من المهنة تماما،
لكن أسئلة ظلت تطاردني منذ ذلك اليوم:
كم كانوا ينوون ان يدفعوا “ثمنا” لي؟
كم هي قيمتي “السوقية” لديهم؟
هل كانوا سيدفعون مقابل أجري مدة معينة ثم يتركونني وصديقي في ورطة؟
أم على العكس من ذلك، كانوا سيتحملون “كلفتي” بشكل دائم؟
وهل كانوا سيبقون على حريتي بعد تحملهم كلفتي؟
ام كانوا سيزيدون في إغرائي كي أعتنق مذهبهم؟
من يعثر على أجوبة هذه الأسئلة سيفوز ببئر من الغازوال في أفريقيا، ونهر من ماء البحر المحلى، وحقل فلاحي شديد الخضرة!
التعليقات مغلقة.