الصويرة التي لا تنام ……. حيت يتكلم صخب الحانات

بقلم محمد أمين وشن

الإنتفاضة

لا يتعلق الأمر هنا بمشكلة ضجيج ليلي عابر، بل بمؤشر دال على اختلال أعمق في العلاقة بين السلطة والمجال ، بين منطق الاستثمار ومنطق الإنصاف ، بين ما يُفترض أنه تدبيرٌ ترابيٌ عقلاني ، وما يُفرز على واقع الأرض من فوضى مرخصة بقوة النفوذ واللامبالاة .

مدينة الصويرة ، التي طالما تباهت بهدوئها الجمالي ، تُفرغ اليوم من مضمونها القيمي والسياحي ، على مرأى من الجميع ، حيث يبدو أنها أودعت مفاتيح المدينة ليلا في يد الحانات والملاهي .                                                                           لم يعد السؤال اليوم عن مواقيت الإغلاق أو حدود الضجيج ، بل عن حدود فرض القانون حين تمسّ المصالح الليلية
          في شكاية وُجهت رسميا لعامل الإقليم ، وقّعها فاعلون فندقيون وسياحيون كما الساكنة ، تكمن صرخة حقيقية من يحكم ليل الصويرة ، هل هو القانون الترابي والمراسيم العاملية التي تنظّم أوقات الإغلاق وشروط الجوار، أم هو منطق دعه يشتغل… دعه يربح ……دعه يزعج.                                                                                           من المخجل سياسيًا أن تظل الأصوات المحتجة من أرباب الفنادق ورياضات الضيافة ، وهم جزء من العمود الفقري للاقتصاد المحلي بلا صدى ، والأسوأ أن يُترك المجال الليلي مفتوحًا على كل أشكال الانفلات ، لا لشيء إلا لأن أصحاب بعض المطاعم يملكون نفوذًا يحميهم من التتبع، ويُحصّنهم ضد القانون ، فيُصبح من لا يُوقِّظ المدينة ليلًا كأنه خارج الزمن

السكوت على هذه الظواهر ، هو في جوهره سكوت سياسي عن أولويات العدالة المجالية فكيف يُمكننا الحديث عن نموذج تنموي محلي بالصويرة ونحن عاجزون عن فرض الحد الأدنى من الإنصاف في علاقة الفضاء السياحي بسكانه ، كيف سنتغنى بجلب الاستثمار بينما المستثمر الجاد يُفرغ رياضه من الزبناء لأن الحانة المجاورة تفرغ الليل من النوم

إن ما يجري في الصويرة يعكس عطبًا أعمق في ثقافة القرار المحلي إذ لا وجود للتوازن بين منطق الربح ومنطق الحق ، ولعل السلطات نفسها و من خلال صمتها أو ترددها تُسهِم في إضعاف مشروعيتها حين تقف عاجزة عن ضبط ليلٍ صغير زمنيا فكيف بها ستضبط نهجًا تنمويًا متكاملًا

نحن بحاجة اليوم إلى قرار سياسي واضح يكرّس أن الصويرة ليست للبيع الليلي وأن قانون الجماعة والمراسيم المنظمة يجب أن تكون فوق كل الاعتبارات فالمطلوب ليس محاربة الحياة الليلية حتى لا نفهم خارج سياق ما نريد ان نوصل من فكرة ، بل ما نخط هو من أجل تقنينها ، وضبطها من خلال قرار واضح يُحدد مواقيت الفتح والإغلاق ، ويراعي خصوصية الأحياء المجاورة ، و الفنادق و الرياضات المتضررة ، ويُلزم المؤسسات باحترام شروط العزل الصوتي ، وعدم تجاوز الضجيج المسموح به ، ومنعها من أن تتحول إلى نقيضٍ لكل ما راكمته و تراكمه المدينة من رصيد حضاري وثقافي .                                                                        إن الأمن الليلي يُقاس بقدرة السلطة على ضبط الإيقاع بين العائد والعدالة ، بين النشاط والمصلحة العامة ، بين الاستثمار وكرامة السكان و السياح الباحثين عن الراحة و الهدوء على حد سواء .                                                                                         فحين يُسمع صوت الحانة أعلى من صوت العدالة ، يصبح الليل مرآة لنهار بلا هوية

التعليقات مغلقة.