الانتفاضة // مصطفى شكري
رغم أن المغرب يُعدّ بلدًا فلاحيًا بامتياز، إلا أن واقع الفلاحة الوطنية اليوم، يعيش حالة من التناقض الحاد بين وفرة الإمكانات وندرة السياسات الحكيمة،حيث و في بلد تُعد فيه الزراعة أحد أهم محركات الإقتصاد الوطني، ما يزال الفلاح الصغير يواجه مصيره معلقًا بين العطش والديون والتهميش، في الوقت الذي يستأثر فيه الفلاح الكبير بالدعم و الإعفاءات والتسهيلات، في مشهد يعكس هشاشة العدالة المجالية والاقتصادية في القطاع.
فالفلاح الصغير، في القرى والجبال والواحات، يزرع الأرض بجهد عضلي وشقاء يومي، ويصطدم بالموسمية وانعدام الحماية وغلاء المدخلات، حيث لا دعم تقني و لا تغطية إجتماعية تحميه، بل يُترك وحيدًا في مواجهة الجفاف وغلاء الأسمدة وندرة المياه، في الحين الذي نرى الفلاح الكبير، المالك للضيعات الواسعة، يستفيد من تسهيلات القروض ومن برامج الدولة، التي غالبًا ما تُفصَّل على مقاس مصالحه، بالرغم من أنه لا يُحمَّل أي مسؤولية إجتماعية تجاه مناخ التنمية، بل و تُمنح له الأرض والماء والدعم، ليُترك الفلاح البسيط دون أُفق.
أما بخصوص السياسات الحكومية، و التي تعاقبت منذ بداية الألفية الجديدة، ورغم رفعها لشعارات إصلاح القطاع عبر “المخطط الأخضر” و”الجيل الأخضر”، إلا أنها لم تنجح في بناء منظومة فلاحية عادلة ومتكاملة، بل على العكس من ذلك، فقد ازدادت الهوة بين طبقتين: فئة من الفلاحين الكبار مرتبطة بالسوق والتصدير، وفئة أعرض من الفلاحين الصغار مرتبطة بالبقاء والبؤس، كما أن إختراق الشركات الإسرائيلية للقطاع الفلاحي، خاصة في مجال البذور والأسمدة والتكنولوجيا الزراعية، أصبح أمرًا واقعًا لا يثير أي نقاش وطني جاد، لنجد أن المغرب قد تحول من بلد منتج لمعظم مواده الزراعية، إلى مستوردٍ لمستلزمات الزراعة من كيانات سياسية تُناصب الشعوب العربية العداء، ومنظومات تُنتج الزراعة المعدّلة وراثيًا دون أن يكون للمواطن رأي أو للبرلمان موقف.
إن هذا الواقع يفرض علينا اليوم تجاوز الشعارات وإنهاء مرحلة الإرتجال، والدخول في مشروع فلاحي وطني، يقوم على خمس مرتكزات رئيسية، أولها الإعتراف رسميًا بحق الفلاح الصغير في الدعم الكامل، من خلال تعميم التغطية الإجتماعية، وتوفير المعدات البسيطة، وحفر الآبار الجماعية، وتسهيل الولوج للأسواق المحلية، يليها إصلاح منظومة العقار الفلاحي وضمان حقوق السلاليين والورثة الصغار، لأن الأرض هي الأساس في كل تنمية فلاحيه ناجحة، و ثالثها أن لا بد من خلق بنك فلاحي عمومي خاص بالفلاح الصغير، يُوفر قروضًا بدون فائدة أو بفوائد رمزية، لتمويل الإنتاج الموسمي والآلات الصغيرة دون رهن أو تعجيز.
أما رابعًا، فيجب إعادة النظر في إتفاقيات التعاون الفلاحي مع الأطراف الدولية، وخصوصًا تلك التي تمسّ السيادة الغذائية للمغرب، وعلى رأسها التعاون مع إسرائيل، الذي أدى إلى دخول أنواع من البذور والأسمدة المُعدلة، دون تقييم بيئي أو نقاش علمي ووطني شفاف حوله، و أخيراً، تطوير البحث العلمي الزراعي وربطه بالفلاح الحقيقي، لا بالشركات الكبرى، وتمكين الجامعات من أن تصبح مركزًا لتوجيه الزراعة حسب المناخ والبيئة المحلية، بدل تسويق النماذج المستوردة.
إن قناعتنا تفيد أن لا تنمية فلاحية بدون عدالة إجتماعية، ولا عدالة بدون مراجعة سياسات الدعم، ولا دعم بدون حماية السيادة الغذائية من الإختراق، حيث و بحسب ما نرى، يستحق الفلاح لمغربي اليوم، مشروعًا وطنياً حقيقيًا يضمن له العيش الكريم، ويعترف بدوره المركزي في تحقيق الأمن الغذائي والإقتصادي.
وإذا كانت الحكومات السابقة قد عجزت عن بلورة هذا المشروع، فإن اللحظة التاريخية تفرض علينا كوطنيين وصحفيين وأكاديميين، أن نُعيد الفلاحة إلى مسارها الصحيح، و ذلك بالنظر إلى الفلاحة ليس كقطاع إقتصادي فقط، بل كمجال له بُعد حضاري وروحي وتاريخي، وهي عنوان الصمود في وجه الأزمات، كما ظهر خلال الجائحة.
إن مميزات الفلاحة المغربية كثيرة: تنوع التربة، تنوع المناخ، غنى الموروث الزراعي المحلي، مرونة الفلاح المغربي، بالإضافة لتجذر العلاقة بين الإنسان والأرض، إلا أن كل ذلك يُهدَر اليوم في ظل غياب رؤية سيادية، وتهميش الكفاءات المحلية، وتغوّل المصالح التجارية الكبرى.
إن إنقاذ الفلاحة المغربية ليس ترفًا، بل ضرورة حتمية، وعلى الدولة أن تختار: إما مشروعًا وطنيًا سياديًا يحمي الأرض والإنسان، أو الإستمرارًا في طريق التبعية الذي لن يُنتج سوى التوتر، والنزوح الجماعي، والندم بعد فوات الأوان.
التعليقات مغلقة.