بين رعاية الكلاب وتهميش البشر: الصويرة أمام مرآة الواقع الاجتماعي

الإنتفاضة 

بقلم: محمد السعيد مازغ

        على رصيف الواجهة البحرية للصويرة، وتحديدًا قرب المحل المعروف بـ”الشاطو”، كانت سيدة تجلس على الحافة الحجرية، عيناها لا تفارقان مجموعة من الكلاب وهي تلهو فوق الرمال، تركض خلف الموج وتنتزع لحظاتها من مياه البحر المتكسرة. كانت تحدّثهم كما لو كانوا صغارًا لها: تحثهم على الأكل، على الاحترام، على عدم الشجار. من قفتها الصغيرة، توزع عليهم الطعام في أماكن مختلفة، وتتابعهم بابتسامة أمومية لا تخلو من فخر خفي.                                             ما شجّع هذه السيدة على مواصلة رعايتها للكلاب، صيفًا وشتاءً، هو الدعم الذي تتلقاه من بعض الأجانب المقيمين بالصويرة. والحق يُقال، ما تقوم به من عناية والتزام أمر يُحترم، لكنه في ذات الوقت يُفجر سؤالًا وجوديًا ملحًّا: كيف لحيوانات ضالة أن تجد من يحتضنها، بينما يبيت بشر في العراء بلا غطاء ولا معين؟.                              في الجهة الأخرى من نفس المدينة، مشهد أكثر قسوة ووجعًا. عدسة أحد النشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي توثق مشاهد لسيدات يفترشن الأرض في ليالي البرد القارس، لأطفال صغار يتجولون بأعين شاحبة وملابس مهترئة، يبحثون عن لقمة أو بقايا دفء، ولرجال من ذوي الاحتياجات الخاصة يستسلمون للخذلان بعد أن فقدوا القدرة على المطالبة بأبسط الحقوق. وجوه مرهقة لا تطلب الكثير، فقط ما يضمن الكرامة.               إن استمرار هذا الوضع يُنذر بمآلات خطيرة. فأطفال اليوم، الذين يتربّون على الهشاشة والتسول، قد يتحولون غدًا – عن وعي أو بدونه – إلى من يقتحمون البيوت لا ليستعطفوا، بل ليستبيحوا. فحين يغيب الأمان الاجتماعي، لا يعود الجرم خيارًا، بل مخرجًا قاسيًا من واقع أكثر قسوة.                 إن ما ورد في الخطاب الملكي السامي بمناسبة الذكرى السادسة والعشرين لعيد العرش، يشكّل خارطة طريق واضحة لمن أراد الإصلاح: دعوة صريحة لتكريس العدالة الاجتماعية، حماية الفئات الهشة، وتفعيل مخرجات الدولة الاجتماعية على أرض الواقع، وليس فقط في الوثائق والمجالس.                                                                                                         من هنا، تبرز الحاجة إلى تحرك حقيقي، لا يقتصر على المبادرات الفردية أو الموسمية، بل يترجم التوجيهات الملكية إلى برامج ميدانية فورية ومستدامة، تُعيد الاعتبار لهؤلاء الذين لم ينصفهم الحظ ولا السياسات. فالصويرة، المدينة التي تستقبل الزوار وتبهرهم بجمالها وروحها، لا تستحق أن تكون واجهتها براقة وظهرها مثقلًا بالبؤس واللامبالاة.

التعليقات مغلقة.