الانتفاضة // توفيق بوعشرين
كانت الصحافة دائما ما تطلب من رسام الكاريكاتور الفلسطيني ناجي العلي ان يكشف لهم وجه حنظلة في رسوماته التي كانت دائما ما تظهر الفتى الفلسطيني غاضب من العالم ومديرا ظهره للجميع …
وكان ناجي رحمه الله يرد على زملائه بالقول:
“ناجي لن يكشف وجهه حتى تتحرر فلسطين، أما وأنها محتلة فإنه مصر على أن يشيح بوجهه عن العرب والعجم…”
لم نر وجه حنظلة لأن صاحب رسوماته اغتيل في لندن على يد أكثر من جهة كانت تعادي فلسطين وتعادي الحرية وطلابها. اغتيل ناجي أمام مقر جريدة القبس في لندن سنة 1987 برصاصتين في الرأس … وكأن واحدة لا تكفي !
لم نر وجه حنظلة لكن رأينا سفينة الأحرار التي أبحرت قبل أيام إلى غزة حاملة اسم حنظلة، ورأينا واحدًا من المعجبين بالفتى حنظلة وقضيته يبحر على متن السفينة مخاطرا بنفسه وحريته وسلامته من أجل أن ينقل إلى العالم جزءًا من محنة غزة ودمار غزة وإبادة غزة، لكن هذه المرة من البحر المحاصر وليس من على الأرض حيث شعبنا من صور الدمار والقتل وتجويع الصغار…
إنه الصحافي المغربي محمد البقالي الموجود الآن بين يدي القوات الإسرائيلية التي هجمت على سفينة حنظلة فور اقترابها من المياه الإقليمية لغزة، واعتقلت ناشطين وأحرارًا وصحافيين غربيين ركبوا البحر والخطر على متن سفينة الحرية لينزلوا في ميناء الإنسانية، وليقولوا للعالم أجمع:
“لسنا كلنا بلا ضمير للصمت على الإبادة الجماعية التي يقودها نتانياهو وعصابته نحن هنا للننقذ ما بقي من شرف الإنسانية …”
محمد البقالي… تجربة متكررة
محمد البقالي، صحافي في قناة الجزيرة، سبق له وأن خاض ذات التجربة سنة 2015 حيث ابحر على متن سفينة الإنسانية لصلة الرحم مع الفلسطيني المحاصر في غزة، واعتُقل لدى السلطات الإسرائيلية هو والمنصف المرزوقي الرئيس السابق لتونس، الذي لم ينسه قصر قرطاج ماضيه النضالي، الذي عاد إليه بسرعة كبيرة مباشرة بعد خروجه من السلطة…
أسئلة لا جواب لها… بعد!
هل نتضامن مع الزميل البقالي ونطالب قوات الاحتلال بإطلاق سراحه ورفاقه من سفينة حنظلة؟
هل ندين اعتداء الجيش غير الأخلاقي على مدنيين سلميين وصحافيين جاؤوا ليقوموا بالمهمة التي لا يعرفون سواها، وهي نقل ما يجري للعالم وتوثيق الجريمة، عسى يأتي يوم يعرض فيه الجاني على المحكمة ويفتح ملف الإثباتات والشهود والأدلة…؟
صوت غزة أعلى من أصواتنا
نعم، نتضامن من وراء هواتفنا ونشجب من وراء فيسبوكنا وندعوا الله في صلواتنا ثم ماذا بعد…
لم يعد أحد يسمع صوتنا ولا صوت الأحرار، لأن بكاء أطفال غزة من الجوع يغطي على كل صوت…
أنا شخصيا بدأت أخجل من كتابة جمل وكلمات التضامن والشجب والرفض والإدانة…
-همجية الإسرائيلي فاقت الحدود المتعارف تاريخيًا عليها،
-عجز الرأي العام العالمي فاق مستوى التخدير الذي يزول مع المدة ويستيقظ صاحبه،
-مهانة العربي تجاوزت كل أرقام غينيس ووصلت إلى المستوى الذي صوره المتنبي (ما لجرح بميت إيلام).
الإبادة الجماعية… مصطلح ولد من فظائع النازية
لم تعد مشاهد الإبادة الجماعية génocide وهي أفظع ما وصل إليه التجريم الجنائي الدولي من توصيف بعد الحرب العالمية الثانية، حيث لم يجد قضاة محاكمات قادة النازية من توصيف لجرائم الرايخ حتى جاء رجل متخصص في القانون الجنائي، محام بولندي من أصل يهودي، اسمه (Raphaël Lemkin)، ووضع توصيفا جديدا لفظاعات هتلر وصاغ مصطلح Genocide لأول مرة سنة 1944 في كتابه الشهير…
وها هو هتلر عصره نتنياهو جاء ليحيي هذه الجريمة ويسجل نفسه وداعميه في الكتاب الأسود لكبار مجرمي العالم…
أين موقف المغرب الرسمي؟
هل يتحرك وزير الخارجية والتعاون السيد بوريطة، ويقطع عطلته الصيفية ويركب رقم وزير خارجية العدو الإسرائيلي ويطلب منه الإفراج عن زميلنا البقالي وحفظ كرامته وسلامته،
ويقول له:
“إن المملكة تدفع كل يوم ثمنا باهظا للتطبيع مع حكومتكم اليمينية الفاشية، وإن ديبلوماسية المغرب التي سبق لها وأن ساندت مانديلا بالسلاح والمال والتدريب لمناصرة الحرية ولإسقاط نظام الفصل العنصري اليوم هذه الديبلوماسية غير قادرة على كتابة بيان قوي يندد بمجاعة أطفال غزة وغير قادرة على إغلاق مكتب مهجور في حي الرياض مكلف بالاتصال ، فعلى الأقل اطلقوا سراح البقالي وجنبونا المزيد من الإحراج مع رأي عام مغربي يخرج بمئات الآلاف كل أسبوع على مدار 22 شهر، في سابقة من نوعها في كل تاريخ المغرب، يطالب بإنهاء التطبيع وتمزيق الاتفاق الإبراهيمي وغلق مكتب الاتصال الإسرائيلي… جنبونا المزيد من الإحراج والمزيد التباعد بين اختيارات الدولة واختيارات الشعب اطلقوا الصحافي محمد البقالي).”
الضمائر… بين من مات ومن ينبض
الذي صعد إلى سفينة حنظلة وغامر بحياته وسلامته من أجل فلسطين وغزة والإنسانية مغربي من قبيلة الصحافيين…
والذي كتب مقالا تحت عنوان “كلنا إسرائيليون” وأعقبه بثانٍ يدافع عن نتنياهو بعد قرار الجنائية الدولية بالقبض عليه بتهمة الإبادة الجماعية، مغربي هو أيضًا محسوب على قبيلة الصحافيين التي لم تعد لها شيخ ولا عرف ولا تقليد ولا قيم …
مفارقة تستحق التأمل بين من مازال ضميره ينبض ومن مات ضميره ولم يُدفن، وأنتم تعرفون ماذا يقع عندما لا ندفن الأجزاء الميتة منا…
التعليقات مغلقة.