الانتفاضة // توفيق بوعشرين
في مثل هذه الساعة وهذا اليوم قبل 26 سنة بدأت الأخبار ترد من وسائل الإعلام في الخارج أن الملك الحسن الثاني فارق الحياة، بدأت إذاعة ميدي 1 على غير عادتها تبث القران الكريم …
ماذا جرى الملك الذي لم يعرف ثلثي الشعب آنذاك ملكا سواه.. مات …
لم يصدق الشعب أن الملك الذي حكم 38 سنة قد فارق الدنيا، حتى شاهدوا صحافي البلاط مولاي مصطفى العلوي يبكيه بحرارة في تلفزيون الدولة …
آه الآن فقط مات سيدنا ).
هل مات الحسن الثاني فعلًا؟ أم أن جزءًا منه ما يزال يقرر ويُرشد ويُؤثّر، حتى بعد مرور ربع قرن على رحيله؟
في مملكته، لا تموت التقاليد بموت من ملكها، بل تتوارث… وتتناسخ أحيانًا.
في هذا البلد، لا يكتفي التاريخ بأن يُروى… بل يُعاش كل يوم، من خلال قرارات ومؤسسات ونُخب وموازين قوى، ما تزال مدينة لرجل اسمه الحسن الثاني.
ملك قاتل الجميع — مدنيين وعسكريين، يساريين وإسلاميين، انقلابيين وسياسيين — ليحمي العرش… ونجح.
تركه كما وجده، وسلمه لابنه، كما سلمه أبوه، تحت شعار لا يُناقش: “مات الملك… عاش الملك”:
ماذا بقي اليوم من بصمات الملك الراحل لم تُدفن معه؟
وما الذي ما يزال حيًا وفاعلًا ومؤثرًا في القرار السياسي والاستراتيجي في مملكته وعرشه؟
ذلك العرش الذي قاتل الحسن الثاني من أجله كل من هددو أو اقترب منه أو مسّ رمزيته: من اليساريين إلى الانقلابيين، من الإسلاميين إلى العلمانيين.
حافظ عليه، حماه، وتوارثه كأمانة مقدسة. ثم سلّمه كما تسلّمه، في طقس ملكي عريق، لابنه الذي اختاره له القدر وليًا للعهد.
هذا هو الاختبار الأقسى في حياة الملوك: أن تحفظ العرش، وتحمي السلالة، وتصون السلطة… ثم تُسلمها بسلاسة لمن بعدك، تحت شعار الدولة العميق: “مات الملك… عاش الملك”.
فلنحاول أن نفتح كتاب الحسن الثاني، بما له وما عليه، كما نفعل مع سائر البشر.
حتى وإن ظل الملك الراحل، حتى آخر أيامه، متشبثًا بهالة القداسة لشخصه وعرشه وقراراته.
نستحضره اليوم، لا حنينًا لماضٍ ولّى، بل سعيًا لقراءة تاريخ ما يزال حيًا…
فشتّان بين الماضي الذي يموت بانقضاء أجله، والتاريخ الذي يرافق الحاضر ويصوغ المستقبل.
لنبدأ من البداية:
- وُلد الحسن الثاني يوم 9 يوليوز 1929 بالرباط، في كنف الأسرة الملكية، وتحت ظلال الحماية الفرنسية.
- منذ صغره، كان ذكيًا، نبيهًا، قوي الشخصية.
- سنة 1943، وعمره لا يتجاوز 14 سنة، شارك في مؤتمر أنفا إلى جانب والده السلطان محمد الخامس، وبحضور كبار العالم: تشرشل وروزفلت. هناك، تفتحت عيناه على الشأن الدولي، وتطلع لقامات الكبار.
- سنة 1953، سيتذوق مرارة المنفى والإبعاد عن القصر، تحت تهديد السلاح وفرسان الأطلس الذين استقدمهم الكلاوي للتمرد على العرش.
- الإقامة العامة الفرنسية قررت الإطاحة بمحمد الخامس لأنه انحاز لمطالب الحركة الوطنية، فغادر الحسن الثاني قصره، وبيته، وركب الطائرة مع والده نحو كورسيكا ثم مدغشقر.
الدرس الأول في السياسة: حياة القصور ليست كلها نعيمًا كما يظن البسطاء.
- سنة 1955، يعود من المنفى، وكلّه حماس ورغبة جامحة في لعب أدوار كبرى إلى جانب والده.
- منذ شبابه، لم يكن مجرد ولي عهد شكلي. كان يُمارس السلطة فعليًا.
- تعلم فن الحكم من داخل القصر، وتجاوز الدور الرمزي سريعًا.
- كان بليغًا في الخطابة، محترفًا في التفاوض، مقرّبًا من النخب الفرنسية.
- في أواخر عهد محمد الخامس، لم يفي أن “ولي العهد” صار هو الحاكم الفعلي…
التعليقات مغلقة.