تامنصورت…مدينة تسكنها المعاناة وتصمت عنها المشاريع

الإنتفاضة // بقلم. : ” محمد السعيد مازغ”

على بُعد حوالي 18 كيلومترا من مدينة مراكش، تنمو مدينة تامنصورت كحلم لم يكتمل. تتوزع فيها أشطر وتجزئات سكنية بلا روح عمرانية متكاملة، حيث تغيب المرافق الحيوية والأساسية، من مستشفيات ومراكز صحية، إلى مؤسسات جامعية وإدارات عمومية، مرورًا بخدمات البريد والأبناك والوكالات الحضرية.

إنها مدينة تعيش في صمت، بلا ضجيج احتجاج، ولا صدى لوجع ساكنيها. تعاني في صمت، بينما مشاريع التنمية متوقفة، وسوق الشغل شبه مشلول، باستثناء ما يرتبط بـ”الفراشة” والباعة الجائلين واحتلال الملك العام. الحياة الاقتصادية راكدة، والمشهد التجاري والصناعي يبعث على الحيرة: محلات مغلقة، مساكن مهجورة، وشقق تُعرض للبيع بأقل من ثمنها الأصلي دون إقبال.

المؤسف أن العديد من الملاك والمستثمرين فقدوا الأمل في تحسن الظروف. بعضهم توقف عن إتمام أشغال البناء، والبعض الآخر عجز عن أداء تكاليف التحفيظ والضرائب ورسوم التسجيل، التي لا تراعي هشاشة فئات واسعة، حتى عندما لا تتعدى مساحة الأرض 80 مترا. أما الشقق المصنفة ضمن السكن الاجتماعي، فرغم أسعارها “المدعومة”، فهي لا تجد من يشتريها. إذ كيف يُقبل الناس على سكن في مدينة بلا ضمانات للحياة الكريمة؟.

مؤشر آخر على هشاشة الوضع هو الإقبال المتزايد على الرهن بدل الشراء أو الكراء، حيث تُرهن بعض الشقق بمبلغ لا يتجاوز 20 ألف درهم، وبسومة كرائية لا تتعدى 500 درهم شهريًا، بينما لا يتجاوز كراء شقق أخرى ألف درهم أو يزيد بقليل. هذه الأرقام تُظهر بوضوح مدى ضعف الجاذبية السكنية والاقتصادية للمدينة، وتطرح علامات استفهام حول استمرار فرض رسوم تسجيل وتحفيظ مرتفعة، لا تتناسب إطلاقًا مع الواقع الاجتماعي والاقتصادي للسكان.

وفي خضم هذا الواقع، يطفو تناقض صارخ. ففي الوقت الذي يُنتظر فيه من الصحافة أن تُسلّط الضوء على مكامن الخلل التنموي، اختارت بعض الصفحات الفيسبوكية والمنابر الإخبارية إقحام نفسها في صراعات سياسية، تارة بتبخيس جهود هذا الطرف، وتارة أخرى بتلميع صورة الطرف الآخر، مركّزة على الهوامش بدل القضايا الجوهرية. وهكذا، تبقى مشاكل التنمية الحقيقية خارج التغطية، والمعاناة الاجتماعية والاقتصادية للمواطنين لا تُثار إلا بشكل محتشم، إن أُثيرت أصلًا.

المثير للقلق في هذا السياق ليس فقط غياب الإنصاف الإعلامي، بل تغييب السؤال الجوهري: من يُمسك فعلاً بمفاتيح التنمية؟ من يقرر مصير ميزانيات المشاريع المتوقفة؟ لقد بقيت عدد من الدواوير التابعة لجماعة حربيل، إلى جانب العديد من الأشطر في تامنصورت، ضحية التهميش والعزلة، رغم كل ما رُوّج لها من وعود وشعارات.تحوّلت أحلام الناس إلى رماد، وتعمّق الشعور بالخذلان، في ظل استمرار مظاهر القهر الاجتماعي والاقتصادي، وتكريس الفاقة، بل ودفع البعض إلى التخلي عن ممتلكاتهم مجبرين، لا مختارين، في غياب أي أفق واضح لتحسين أوضاعهم أو استعادة كرامتهم.

التعليقات مغلقة.