بعد تعيين فاطمة الزهراء المنصوري كأول امرأة تترأس الحكومة في تاريخ المغرب..

هل تكتمل الصورة بتعيين إمرأة وزيرة للتعليم؟

0

الانتفاضة/ بقلم: محمد تكناوي

لم يكن تعيين فاطمة الزهراء المنصوري على رأس الحكومة حدثا عاديا مر بلا أثر، بل كان لحظة ضوء. لحظة شعر فيها المغرب أن التاريخ يلتفت أخيرا إلى نصفه الآخر ، وأن الدولة التي اعتادت أن ترى بوجه رجل، قررت أن تكشف عن وجهها الآخر. وجه المرأة. لسنوات طويلة، كانت المرأة المغربية تطرق باب القرار بنضال صامت وعنيد، تنتزع حقها في مدونة الأسرة، وفي مدونة الشغل، وفي تجريم التحرش، وفي مقاعد الانتخابات، حتى صار التمييز الإيجابي واقعا لا شعارا. وجاء تعيين المنصوري ليقول إن كل ذلك لم يذهب هباء، وإن الوطن قرر أخيرا أن ينهض بجناحيه معا.

لكن هذا القرار الجميل، على نبله وأهميته، يترك في القلب غصة سؤال لا يمكن القفز عليه. سؤال يفرض نفسه بهدوء: ماذا لو كانت هذه هي البداية فقط؟ ماذا لو اكتملت الصورة؟ وما اكتمال الصورة إلا أن نجرؤ مرة أخرى، ونضع امرأة أخرى على رأس وزارة التربية الوطنية.

لا أحد يجادل في أن المساواة لا تزال حلما بعيد المنال. نعم، عبرت نساء إلى البرلمان وتبوأن مناصب عليا، وهذا فتح مهم يسمح للمرأة بأن تسهم في رسم القرار الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، لكنه يظل حضورا انتقائيا ومحسوبا. فهناك قلاع لا تزال عصية، تعتبرها الذهنية المحافظة للدولة محميات ذكورية مغلقة، تمثيلية النساء فيها خجولة حد الريبة، وفي طليعتها قطاع التربية والتكوين ، وكأن قيادة المنظومة التربوية قدر لا يليق إلا بالرجال.

والحق أن عطب مدرستنا العمومية ليس عطبا ماديا فحسب، بل هو عطب في الذوق والرؤية. يكفي أن تدخل إلى كثير من مدارسنا اليوم لتجد فضاء منهكا، باهتا، بلا جمالية ولا روح، فضاء يطرد الحياة بدل أن يحتضنها. والمرأة، بفطرتها وتجربتها، تحمل علاقة وجدانية فريدة مع المكان. هي التي تعرف كيف تنفخ الروح في الجدران الأربعة وتحولها إلى بيت، كيف تجعل من النظافة والترتيب والجمال طقسا يوميا للحياة وليس ترفا عابرا. هذه ليست صورة نمطية نرددها، بل هي قيمة سياسية وتربوية في غاية الأهمية، تحتاجها المدرسة اليوم أكثر من أي ميزانية.

ثم إن في العمق ما هو أعمق. فشل الإصلاحات المتعاقبة سببه أنها صيغت بعقلية ذكورية تقوم على منطق التصادم وفرض الرأي وكسر الإرادات. بينما تملك المرأة، بما راكمته من حكمة التربية والاحتواء، قدرة نادرة على الإصغاء والإنصات والبحث عن خيط التوافق حين تنقطع كل الخيوط. قطاع التعليم اليوم لا يحتاج إلى من يرفع صوته أكثر، بل إلى من يخفض جناحه أكثر وينصت بقلب مفتوح. وقرار تربوي يصدر عن امرأة سيكون حتما قرارا بضمير آخر ووعي آخر.

ولعل الذاكرة تستدعي هنا تجربة لطيفة العابدة حين عينت كاتبة دولة مكلفة بالتعليم المدرسي. ولنكن أمناء، تلك التجربة لم تجهض لأن امرأة لم تكن في مستوى المسؤولية، بل لأنها لم تكن تجربة مكتملة من الأساس. كان الوزير الوصي آنذاك، أحمد اخشيشن، قابضا على كل مفاتيح القرار، تاركا لها هامشا شكليا بلا روح ولا سلطة. أرادوا يومها تأنيث الواجهة دون تأنيث القرار. وهذا بالضبط ما لا نريده اليوم. نحن لا نبحث عن وزيرة واجهة، بل عن وزيرة قرار تملك كامل الصلاحيات لتقود الإصلاح من جذوره.

إن الداء الذي ينهش جسد مجتمعنا واضح وضوح الشمس: أمية موجعة تضرب في العمق نساء العالم القروي، وفقر يثقل كاهل الأسر التي تعيلها نساء في صمت، ونظرة دونية لا تزال تسكن ثقافتنا تهمس بأن المرأة أقل شأنا. ولا سبيل لمداواة هذه الأدواء إلا من باب واحد أوحد هو المدرسة. وإذا أردنا حقا أن نغري الفتاة القروية بالتمدرس، فعلينا أن نريها أن امرأة تشبهها، بملامحها ولهجتها وحلمها، يمكن أن تصبح يوما وزيرة للتربية. تلك هي الرسالة التربوية الأبلغ من كل الخطب والشعارات.

إن تعيين المنصوري ينبغي أن يكون فاتحة لقطيعة حقيقية، قطيعة مع منطق الدولة التي تمنح المرأة بعض الفتات وتمسك بزمام الأمور. نحن اليوم في أمس الحاجة إلى جرأة سياسية أعمق، إلى تمييز إيجابي نبيل يصحح تأخرا تاريخيا طويلا، لكن مؤسس على الكفاءة والاستحقاق حتى لا ننقص من قدر المرأة وقيمتها. المطلوب ليس مقعدا يزين الصورة، بل مناخا رحبا يسمح للكفاءة النسائية بأن تتفتح وتزهر دون وصاية.

الصورة بدأت ترتسم بتعيين المنصوري، لكنها لن يكتمل بهاؤها إلا إذا تجرأنا مرة ثانية ومنحنا حقيبة التربية الوطنية لامرأة. فذلك ليس إنصافا للمرأة فحسب، بل هو إنصاف للمدرسة، ولأبنائنا، ولمستقبل هذا الوطن كله.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.