الانتفاضة // عبد الله الترابي
يمكن أن نلوم عبد الإله بنكيران على الكثير من الأشياء، وعلى تصريحاته التي تكون أحياناً مسيئة للبعض منا، وقد كتبتُها وقلتُها مراراً: لا يمكن أن نستحم في النهر نفسه مرتين، والظروف التي جعلت من السي بنكيران نجم الحياة السياسية لسنوات قد تغيرت، ونحن الآن في مرحلة أخرى وزمن سياسي مختلف، وهو يلعب “ le match de trop”. لكن، ورغم كل علاته وعيوبه، ورغم تراجع حزب العدالة والتنمية وضمور نفوذه، يبقى بنكيران حالياً أهم منشط للحياة السياسية المغربية، حيث يفعل ما يُطلب من كل السياسيين في العالم: إعطاء الرأي فيما يهم البلاد والعباد، والتعبير من خلال مرجعية واضحة، نتفق معها أو نختلف، عن مواقف في قضايا سياسية ومجتمعية من الضروري أن تكون فيها استقطابات ونقاشات، لأنها هي المحددة لهوية التيارات السياسية والفكرية، وإلا لماذا نحن بحاجة لسياسيين ولأحزاب ولمؤسسات ديمقراطية ولانتخابات؟
ما تفعله أغلبية الأحزاب حالياً هو قتل للعمل السياسي وإعدام للنقاش العام، الحيوي والمتعدد، والذي يميز المغرب عن باقي دول المنطقة، وذلك منذ استقلاله.
نعيش الآن تجربة معيبة، تم تحويل العمل السياسي فيها إلى مسخ، لا هو بالتكنوقراطي الصرف لأن الأحزاب الموجودة في الحكومة نخبها “على قد الحال” تقنياً، ولا هو بالسياسي، لأن هذه الأحزاب هي تكتل أعيان ولا قدرة لها على الدفاع عن قيم مجتمعية أو عن تصورات سياسية واضحة.
فمثلاً، لا أحد يعرف ما هو تصور رئيس الحكومة لقضايا مثل قانون الأسرة أو التطبيع أو الحريات الفردية والعامة… وغيرها من الأمور التي نختلف حولها جميعاً، وعوضاً عن ذلك حول عزيز أخنوش النقاش السياسي إلى عروض (PowerPoint)، وكأننا في مجلس إدارة شركة لا في مؤسسات سياسية، مبنية منذ زمن الإغريق على النقاش والجدل والاختلاف.
قد يقول قائل إن رئيس الحكومة ليس مهتماً بمثل هذه القضايا أو أنه ليس قادراً على نقاشها، ولكن من المفترض أن تكون هناك نخب حكومية وحزبية مجهزة للقيام بهذا الدور، لكن للأسف، الملعب السياسي فارغ ولا يوجد فيه حالياً إلا لاعب وحيد، بعكاز، يعيد المراوغات و” الفانت” نفسها التي كان يجيدها منذ عقود، لكن في غياب الجمهور، الذي هجر اللعبة واللاعبين في انتظار بديل أخر، لن يكون بالضرورة في صالح العملية الديموقراطية بالمغرب،.
التعليقات مغلقة.