الخندقة بدل الحوار.. أزمة العقل الكسول

الانتفاضة // كمال عصامي

في زمن تصاعد فيه الجدل وسادت فيه ثقافة الإقصاء بدل الحوار، أصبح خندقة الناس وتوزيعهم في مربعات مغلقة سلوكًا شائعًا لدى من يعجز عن النقاش العلمي أو الحوار المنطقي.

فبمجرد أن تُبدي رأيًا مخالفًا أو تطرح تساؤلًا ناقدًا، تُرمى مباشرة بتهمة الانتماء إلى تيار معين، أو تُلصق بك صفات جاهزة لا تعبّر إلا عن ضعف الطرف الآخر في الحجة والبرهان.

إنه أسلوب قديم متجدد، لا يعكس قوة موقف بقدر ما يعكس ضيق أفق وعجزًا عن التفاعل الحضاري مع الآراء المختلفة.

وقد عبّر عن هذه الظاهرة الإمام الشافعي حين قال: “ما جادلت عالمًا إلا وغلبته، وما جادلني جاهل إلا وغلبني”. لأن الجاهل لا يحاور بعلم ولا يحتكم إلى منطق، بل يعاند، ويصرّ، ويخبط خبط عشواء، ويستنزف طاقة العقل في معركة لا قواعد لها.

ما نحتاجه اليوم ليس ارتفاع الصوت، ولا شراسة الردود، بل إعادة التربية على فقه الدعوة، وفقه الحوار، وأدب الاختلاف.

وهي معانٍ أصّل لها مفكرون ودعاة كبار، منهم الدكتور سعد الدين العثماني في كتابه المهم “فقه الحوار”.

كما لا يمكن إغفال كتاب الدكتور طه جابر العلواني “أدب الاختلاف في الإسلام”، الذي يُعدّ من أبرز ما كُتب في هذا الباب.

ويضاف إلى ذلك كتاب نفيس من التراث الإسلامي هو “العواصم من القواصم” للإمام أبي بكر بن العربي، الذي يعالج أحداث الفتنة الكبرى في التاريخ الإسلامي بعقل فقهي وروح إنصاف، بعيدًا عن التحيزات والانفعالات.

هذا الكتاب يعلمنا كيف نفهم الخلافات التاريخية الكبرى دون أن نحاكمها بمنطق الحاضر أو العصبيات، ويحث على العدل في النظرة إلى الرموز والوقائع، ويُرسّخ أدب التعامل مع الخلاف السياسي والديني بأسلوب علمي متزن.

لقد أصبحنا، للأسف، نلتقي بمن لا يقرأ، ولا يملك أدوات الفهم، لكنه يتصدر المشهد، ويجادل، ويُصدر الأحكام، ويزعم امتلاك الحقيقة المطلقة.

وهذا مزيج قاتل من الجهل والثقة الزائدة، يقودنا نحو التنازع لا التفاهم، ونحو الإقصاء لا البناء.

فلنعد إلى الجذور: إلى التواضع في طلب العلم، إلى الحوار الرصين، وإلى الإيمان بأن اختلاف الرأي لا ينبغي أن يتحول إلى خلاف يقطع وشائج المودة أو يحوّل ساحات النقاش إلى ميادين حرب.
ويعذر بعضُنا بعضًا فيما اختلفنا فيه، ونتعاون فيما اتفقنا عليه.

التعليقات مغلقة.