مسيرة بوݣماز… حين تفضح الأقدام عورات الحكومة !

" أسوأ أنواع النسيان هو الذي ترتكبه الدولة ضد مواطنيها " حنة أرندت " أسوأ أنواع النسيان هو الذي ترتكبه الدولة ضد مواطنيها "  حنة أرندت

الانتفاضة : بقلم محمد أمين وشن 

في مغرب النموذج التنموي الجديد ، لا تزال الجبال تمشي على قدميها ، تطلب الكرامة من مركزٍ لا يسمع إلا صدى مصالحه ، من بوݣماز إلى بني ملال ، لم تكن المسيرة سوى إعلان شعبي حقيقي عن فشل سياسي مدوٍّ لسياسات حكومية أخرجت جغرافيا بأكملها من الحسابات ، تُركت تواجه مصيرها في انتظار تحقيق شعارات الحكومة التسويقية ( الدولة الاجتماعية )

الذين ساروا على أقدامهم من آيت بوكماز، قاطعين أكثر من خمسين كيلومتراً في مسيرة الكرامة من تبانت إلى بني ملال، لم يفعلوا ذلك عبثاً ، فعلوه لأن الحكومة التي تباهت بقربها من ثلثي أصحاب المال والأعمال ، لم تُكلّف نفسها حتى عناء الاستماع لأنين المغرب العميق ، مواطنو بوݣماز لم يكونوا يحتجون فقط ، بل كانوا يوجهون صرخة مدوية في وجه صُمّ القرار السياسي ، كونهم ليسوا مجرد إحصائيات في تقارير الحكومة ، ولا صوراً في كُتيّبات السياحة الجبلية، بل هم شعبٌ منسي ، سقط سهواً أو عمداً من خرائط السلطة .

بوݣماز ليست فقط مسيرة ؛ إنها استفتاء شعبي على حكومة تغلق الأبواب ، وتفتح فقط القنوات الموازية التي لا تمرر إلا مصالح فئة محظوظة ، إنها رفضٌ عملي لخطاب سلطوي يدّعي الإنصات ، لكنه لا يسمع إلا لغة السوق .

لقد تحدث رئيس الحكومة بكل ثقة عن معرفته بثلثي رجال المال والأعمال لم يكن ذلك زلة لسان ، بل اعترافًا واضحًا للعقل الذي يدبر البلاد بمنطق السوق لا بمنطق الوطن يجالس رئيس الحكومة أصحاب الملايين، لكنه لا يزور من لا يملكون حتى أدنى مقومات العيش الكريم جميل أن تكون قريبًا من أصحاب الملايير، لكن الأجمل بل الأوجب أن تتعرف أيضًا على من لا يملكون حتى ثمن نعلٍ يمشي بهم نحو مدرسة أو مستوصف ، وكما أنه يعرف ويتقرب من ثلثي رأسماليي الوطن ، كان حريًّا به أن يتعرف أيضًا على ثلثي المهمشين والمقصيين، الذين يعيشون تحت عتبة الفقر.

فأين نحن من النموذج التنموي الذي بُني على مئات اللقاءات ، وأُنجزت من أجله تقارير ضخمة ، ركنته السلطة التنفيذية على الرف ، واحتفظت منه فقط بالشعارات( الدولة الاجتماعية ، تقليص الفوارق، العدالة المجالية… ) كلمات لا تُصرف في صندوق تنمية الجبال ، ولا تشق طريقاً في دواوير الأطلس .

مسيرة بوݣماز ليست معزولة ، و ليست مجرد احتجاج محلي ، بل صرخة مكتومة باسم الآلاف من الدواوير ، من السهول المحرومة إلى الأرياف المنسية ، من قلب المغرب الهامشي الذي لا يصله لا الوزير، ولا المندوب ، ولا حتى التغطية الهاتفية . وما يزيد الطين بلّة أن هذه الحكومة أثبتت في أكثر من محطة أنها بلا رؤية ، بلا فكر سياسي ، بل حتى دون أي حس إنساني ، حكومة لم تنجح في تدبير ما بعد الزلزال ، ولا في التفاعل مع احتجاجات الأساتذة ، والأطباء ، والمعطلين… حكومة تهرب إلى لغة الخشب حين يتحدث الناس بلغة الألم ، حكومة أهدرت الزمن السياسي بلا إصلاح ولا إصغاء ، فقط إعلانات فاشلة عن مشاريع مؤجلة ، وكلام متخم عن منجزات غير موجودة فلا بلاغات تطمئن ، ولا لجن تقصي ، ولا تواصل مباشر يحترم المواطن .

إن غياب العدالة المجالية ليس فقط فشلاً في التوزيع ، بل هو جريمة سياسية متواصلة ، تُراكم الحقد الطبقي ، فلا يمكن لمن لا يرى في الجبل سوى مزارٍ سياحي أن يفك العزلة عن سكانه و لا يمكن لمن يتحدث عن التحول الرقمي في الرباط ، أن يفهم ماذا تعني الحياة في دواوير بلا كهرباء ولا مستوصف. وحين تغيب الرؤية ، وتتحول السلطة إلى تسيير ربحي صرف ، يصبح الجبل عبئاً لا أولوية ، ويصبح الفقير مواطناً مؤجلاً إلى حين .

الحكومة اليوم ، بما في ذلك رئيسها الذي جُمعت له كل السلطات ولم يستثمر منها شيئاً سوى الخطابات الجوفاء ، مطالبة بأن تستفيق من سباتها الليبرالي الفجّ ، فالشعب لا يعيش بمنطق السوق ، بل بالعدالة. فالسياسات لا تُملى من الأبناك الدولية ، بل تُصاغ من احتياجات الشعب والواقع المعيش ، المسيرة التي انطلقت من بوݣماز لا تحتاج إلى لجان استماع ، ولا إلى تعويضات انتخابية ، تحتاج فقط إلى مسؤولين حقيقيين ، يعرفون أن الكرامة لا تُقاس بالناتج الداخلي الخام ، بل بمدى شعور الإنسان أنه ليس مُقصى من وطنه .

لقد خسرنا ما يكفي من الوقت ، ومن الوعود ، ومن التوازنات الهشة ، وهذه الحكومة بكل وضوح لم تكن سوى عنوان إضافي للفشل في الإصغاء ، والفشل في الابتكار، والفشل في الإنصاف وحتى في مقاربة الحلول ، فحين تُدار الدولة بمنطق الربح بدل التخطيط ، وحين يُستبدل المواطن بالزبون ، يكون الطريق إلى الهامش هو الاتجاه الوحيد .

أما ساكنة بوݣماز ، فقد قررت أن تمشي لأن من لا يملك صوتاً في مراكز القرار ، يصنعه في الطريق ، و حين تمشي الجبال…تسقط أقنعة الحكومة ، وعليها أن تعيد حساباتها ، لأن الوطن ليس خطابا رسميا ، بل تضاريس من المواطنة الصادقة و التخطيط المحكم ولتعلم هذه الحكومة أن الجبال حين تمشي في مسيرة الكرامة… لا تنحني .

التعليقات مغلقة.