الانتفاضة // محمد المتوكل
خرج ألاف المغاربة من مغاربة المغرب العميق أو المغرب غير النافع للمطالبة فقط بمدرسة وملعب وطبيب قار و (الكونيكسيون) ليس إلا.
فمطالبهم بسيطة ولكن تبدو مستحيلة في ظل استشراء الفساد وتظافر عوامل التعرية الإفسادية التي دأب عليها المفسدون في كل زمان ومكان.
فمن الذي أخرج ساكنة آيت بوكماز ليقطعوا الفيافي والجبال والوديان والسهول والهضاب من أجل لقاء المسؤولين الذين يبدو أنهم خارج المسؤولية؟
ومن دفع بهذه الأمواج البشرية إلى السير على الأقدام نحو مراكز القرار رافعين الأعلام الوطنية وصور ملك البلاد ورافعين شعار عاش الملك؟
من أوحى لهؤلاء القوم للتحرك بعد أن فهموا أنهم غير (مبرونشيين) مع المغرب النافع الذي يستحوذ على خيرات البلاد لكن (البوفرية) لا يصلهم شيء للأسف الشديد؟
لعل الناظر الموضوعي لما يجري ويدور في هذه البلاد أن يلحظ أن الأوضاع الاقتصادية المتأزمة والأوضاع الاجتماعية الخانقة لا تفتأ تتنامى وتتكاثر بسبب استشراء الفساد والإفساد في أوصال المجتمع، و لم يتبقى للمغربي الفقير إلا أمرين اثنين، إما أن يهاجر هذه البلاد أو يخرج للاحتجاج مطالبا بأبسط الحقوق في الوقت الذي يطلب منه أداء الواجبات.
فالمغرب العميق ما زال عطبا تنمويا كبيرا، لا يبدو، لحد الآن، أننا وجدنا السبيل نحو حله. في الوقت الذي نحتاج فيه دورة تنموية استدراكية، تكون الأولوية فيها لمادة صعبة عنوانها أزمات “المغرب العميق” أو المغرب غير النافع، و بدون النجاح في هذه المادة، سيظل النجاح ناقصا و بلا طعم.
مسيرة سلمية غير مسبوقة لرجال أيت بوكماز نحو ولاية جهة بني ملال خنيفرة للمطالبة بأبسط الحقوق وفك العزلة.
ومصادر الجريدة تؤكد أن الملف المطلبي يتضمن بالأساس مطالب :
إصلاح وتهيئة الطريق الجهوية 302 (تيزي نترغيست) والطريق 317 (آيت عباس) مطلب أساسي لفك العزلة.
المطالبة بتوفير طبيب قار بالمركز الصحي المحلي الذي يعاني من خصاص حاد
الساكنة تطالب بتغطية شاملة لشبكة الهاتف والإنترنت، لتسهيل التواصل والتعليم عن بُعد
حلم بملعب يليق بطموحات الشباب ويمنحهم بديلاً صحياً عن الفراغ والتهميش.
الدعوة لفتح مركز تكوين في المهن الجبلية، بما يتماشى مع خصوصيات المنطقة ويوفر فرص شغل محلية.و بناء المدرسة الجماعاتية
بناء سدود تلية لحماية الهضبة من الفيضانات.
فقافلة آيت بوگماز (فاقوا بكري فطرو بأسكيف وشدو الطريق).
ومطالبهم جد بسيطة (مابغاوش السبيطار والجامعة بغاو غير الطبيب وملعب القرب والمدرسة والكونيكسيون والريزو والطريق).
(بغاو غير يتبرونشاو مع المغرب النافع).
فماذا أنتم فاعلون يا دولة؟
بقي أن نشير إلى أن ما يسري على آيت بوكماز يكاد يكون هو العنوان الأبرز لجل مناطق المغرب غير النافع والذي لا ينتفع فيه المواطن بأي شيء على الإطلاق.
بل وتهدر كرامته بسبب غياب الطرق وغياب الإنارة وغياب الماء وغياب التطبيب وغياب التعليم وغياب البنية التحتية وغياب التنمية المستدامة.
مما يجعل حياة هؤلاء قطعة من الجحيم في الوقت الذي تتبختر فيه (الطبقة الالبة) و (الهاي كلاس) في النعيم المقيم، ويستحوذون على ملذات المغرب طولا وعرضا شكلا ومضمونا.
بل منهم من يستحوذون على البر والبحر والجو وتركوا لفقراء المغرب العميق أو المغرب غير النافع الفتات والذي لا يسمن ولا يغني من جوع.
فمتى تتحرك الدولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل فوات الآوان؟
عوض التشدق بتلك الشعارات الفارغة والادعاءات الكاذبة، وعوض الاهتمام ببناء الملاعب و (الأوطيلات) والأبراج والمنتجعات السياحية و (الكاباريهات) ومقاهي الشيشة وغير ذلك من الأمور الثانوية.
كما على الدولة أن تغير من أولوياتها واهتماماتها وتحاول أولا وأخيرا بناء الانسان وتكوينه وتأهيله وتأطيره وإحاطته بكل ما يمكن أن يجعل منه إنسانا صالحا مصلحا لان ذلك هو الرأسمال الحقيقي الذي يعول عليه ولا شيء سواه.
فبناء الإنسان هو في الحقيقة بناء للأوطان.
التعليقات مغلقة.