الصويرة… حين تذوب الذاكرة الهادئة في صخب المواسم والمهرجانات

الصويرة تتبدل ملامحها مع كل صيف

الانتفاضة بقلم محمد السعيد مازغ 

ًتنام الصويرة باكرًا وتستيقظ على مهل، كأنها ترفض الاستعجال الذي أصاب باقي المدن. في صباحاتها الباردة، لا يُسمع سوى زعيق النوارس وهي تحوم فوق أسطح البيوت البيضاء، وتُلامس النوافذ الزرقاء. الأزقة القديمة تخفي في طياتها بطالة مقنعة، والمقاهي الشعبية بالكاد تفتح أبوابها، وحركة الناس تشبه إيقاع البحر حين ينسحب بهدوء على رمال الشاطئ. هي مدينة تعيش في كنف السكينة والأمن والسلام.                                             لكن هذا الهدوء لا يبقى طويلاً. ما إن يعلن الصيف قدومه، أو يُكشف عن موعد مهرجان فني كبير كـ”مهرجان كناوة” أو ” موسم ركراكة”، حتى تنقلب المدينة على سكونها. الزوار يتقاطرون من كل صوب، وتتحول المدينة إلى خلية نحل لا تهدأ. الفنادق تمتلئ، والشقق تُكترى، وحتى البيوت القديمة تجد لنفسها زبائن مؤقتين. في لحظة، يتغير كل شيء: الشوارع تختنق، الأسعار ترتفع، وساحة مولاي الحسن ترقص على أنغام الموسيقى بمختلف ألوانها.

لا شك أن هذه الحركة تُنعش الاقتصاد المحلي، وتمنح بعض الأسر فرصة لتحسين دخلها، سواء عبر كراء السكن أو العمل في المقاهي والمطاعم أو تقديم خدمات بسيطة. إنها فرصة موسمية يتشبث بها كثيرون لكسر قساوة العيش. لكن في المقابل، يشعر بعض السكان أن مدينتهم لم تعد لهم، بل أصبحت مسرحًا مؤقتًا يشتغل لصالح الزائر العابر. التكاليف اليومية ترتفع، والسكان الأصليون يضطرون أحيانًا لمغادرة بيوتهم مؤقتًا، أو التنازل عن روتينهم المعتاد مقابل موجة من الزحام لا يُعرف متى تنتهي.                                                           إنها مفارقة تعيشها الصويرة كل صيف: بين من يرى في الموسم حياة وفرصة، ومن يرى فيه عبئًا وفقدانًا لهوية المدينة ووتيرتها الطبيعية. وبين هؤلاء وأولئك، تحاول الصويرة أن تحفظ توازنها، تستقبل الزوار بكثير من الكرم، ثم تعود بهدوء إلى نفسها كمن يطوي صفحة عاصفة ليبدأ من جديد.                                                                                         فالصويرة، في نهاية المطاف، ليست مجرد مدينة سياحية، بل هي ذاكرة جماعية، وروح مقاومة للصخب، تعرف متى تفرح ومتى تصمت… تفند ادعاءات بعض العقليات المنغلقة التي مازالت تؤمن أن الصويرة للصويريين ، وتجهل أن المغرب واحد من طنجة إلى الكويرة ، فلا مكان للتنمر والبكاء على الأطلال.

التعليقات مغلقة.