الانتفاضة
كثر الحديث عن اللفظ المبتذل المكتوب على قميص هذا المغني المعروف بطوطو، وحتى عن تلك الألفاظ القبيحة التي ينطق بها، والتي نسمعها للأسف اليوم عند شبابنا في الشوارع والمدارس وغيرها، وأحب أن أقول كلمة هاهنا لها علاقة بالجماليات المجتمعية المفتقدة في هذا الصدد.
قد يحتجُّ البعض بالقول إن بعض هذه الألفاظ المبتذلة المقصودة إنما يراد بها غير ما تعنيه حقيقة، فهي ليست مرادة لذاتها، لذلك ينبغي ان نلتمس لهاؤلاء الذين يستعملونها العذر.
وفي هذا أقول: لقد غيّر القرآن الكريم حقيقة معاني بعض الألفاظ المبتذلة التي كانت شائعة في الجاهلية، فأعاد توجيهها لتخدم مقاصده القيمية والروحية، مثل لفظ “العبودية” الذي كان يُستخدم للدلالة على الذل والقهر، فأصبح في القرآن تعبيراً عن الخضوع المحمود لله، والذي لا يخلو من العزة والكرامة، ولفظ “الجاهلية” الذي كان وصفاً زمنياً فأصبح وصفاً لحالة فكرية وأخلاقية تُقابل الهداية، وهكذا ارتقى القرآن باللغة، فنقّى ألفاظاً مبتذلة من دلالاتها السلبية وأعاد تشكيلها ضمن إطار أخلاقي راقٍ.
هل يعني هذا أن علينا أن نقبل بهذه الألفاظ المبتذلة؟
الجواب هو لا، فكما حوَّل القرآن الكريم الحمولة السلبية لبعض الألفاظ إلى أخرى إيجابية مع الاحتفاظ بنفس اللفظ، تعامَل كذلك في الوقت نفسه مع ألفاظِ السب والشتم التي كانت تُستعمل للاحتقار والحط من الكرامة بأسلوب تربوي ينهى عن استعمالها ويوجه الخطاب نحو الاحترام، فحرَّم السخرية والتنابز بالألقاب، كما في قوله تعالى: ﴿ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب﴾ [الحجرات: 11]، واعتبر السباب والكلام البذيء من عمل الجاهلية، مبيناً أن الكرامة الإنسانية لا تُمسّ بالألفاظ الجارحة، كما استخدم أحياناً ألفاظاً قوية في مقام الحجاج والبيان، لكنها لم تكن لغرض الشتم الشخصي، بل لتقويم الانحراف أو توصيف حال معنوي، كقوله عن المنافقين: ﴿كمثل الحمار يحمل أسفاراً﴾، مع مراعاة المقام والغاية. وهكذا علّمنا القرآن العظيم أن ضبط اللسان واحترام المخاطب من أصول الخطاب والذوق الراقي.
لكن أين تكمن المشكلة اليوم؟
المشكلة اليوم تكمن في محاولة البعض جعل اللفظ المبتذل عاديا ومتداولا بين الناس وسعيهم لتبريره!
هذه المحاولات ينبغي الانتباه لمخاطرها الكبرى، فهي إن نجحت ستضعنا أمام تطبيع خطير مع القبح اللغوي والتبلّد الذوقي العام للمجتمع، حيث ستفقد الكلمات وقعها الأخلاقي وتتحول الإهانة إلى مزحة، والفحش إلى تعبير عادي، مما يؤدي إلى تفكك المعايير القيمية عند الناس، وهو ما سيضعف الإحساس بالمسؤولية اللغوية، خاصة لدى الناشئة، كما أنه سيفتح الباب أمام تدهور الخطاب العام، ويغذي ثقافة الازدراء والتسفيه بدل الاحترام والتواصل الرشيد، فتكرار اللفظ المبتذل، ولو دون نية الإساءة، يُكرّس حضوره ويُفرغه من رقابته الأخلاقية.
التعليقات مغلقة.