الانتفاضة
أعطه حبلاً أطول، وسيشنق نفسه بنفسه…
هكذا يقول الانجليز في احد امثلتهم ..
لكن يبدو ان هذا ليس مجرد مثل فقط أو مجرد حكمة متداولة، بل هي استراتيجية عميقة أتقنتها إسرائيل في التعامل مع من يظنون أنهم يطوّقونها.
نعم، هكذا تعاملت اسرائيل مع إيران، التي لم تدرك أن حبالها اي الميليشيات في لبنان واليمن والعراق وغزة وسوريا كانت جزءا من حبل طويل رأسه بيد اسرائيل ، وان كل انتصاراتها المذهبية والعقائدية، وكل الحروب بالوكالة التي خاضها اذنابها في المنطقة ، كل هذا كان في إطار لعبة محكمة وحدها اسرائيل من تعرف خباياها وأسرارها و عقليات اللاعبين الكبار فيها.
وها قد وصل اليوم الذي تلتف فيه كل هذه الحبال ،او الحبل الطويل المشكل من حبال الميليشيات دفعة واحدة على عنق ايران، وبالضبط على اعناق الملالي الذين ظنوا أنهم بمنجاة من نار اسرائيل، ماداموا يقدمون لها دماء العرب قرابين و اسباب انشغال وإلهاء .
لقد غرق نظام الملالي في وهم السيطرة والتوسع، معتقداً أن وكلاءه في المنطقة سيوصلونه إلى مجد عقائدي مذهبي طائفي سياسي لا يُضاهى، لكن الحقيقة أن هؤلاء الوكلاء كانوا مجرد حبال متدلية، أُحكم تشبيكها وربطها ببعض بذكاء لتُستعمل في لحظة مناسبة، وتلك اللحظة قد حلّت الآن.
من لبنان إلى اليمن، ومن العراق إلى سوريا، وحتى البحرين وغزة،بل وحاولت بدعم من الجزائر ان تتسلل إلى المغرب لولا أن بلد الاولياء والحكماء يعرف جيدا سياسة الملالي وخبثهم فصدهم بقوة وكشف مخططهم في المهد…. على طول كل هذه الجغرافيا المتشعبة نسجت طهران شبكة من الحبال وشكلت كثيرا الميليشيات والمجموعات المسلحة، متوهمة أن هذا الامتداد سيشكل “عمقها الاستراتيجي” الى الابد، وأنها وحدها من ستكون شريك اسرائيل في كعكة الشرق الاوسط. لكنها لم تكن تعلم أنها ببنائها هذه الشبكة لم تصنع قوة، بل صنعت شركًا عملاقًا تلوّى عليها قبل أن تطلق منه طلقة واحدة خاصة بها ولحمايتها هي وحماية رؤوسها وعقولها وصواريخها ومحطاتها النووية .
خطأ فاوست، في مسرحية غوته ،تكرره ايران بوعي او بدون وعي، فكما باع فاوست نفسه للشيطان مقابل قوة مؤقتة، باع نظام الملالي نفسه للشيطان الاكبر والشيطان الأصغر ظنا منه ان ميليشياته العسكرية، وحباله المذهبية ستنجيه من الحساب والعقاب والعذاب…لكن هيهات . يبدو لحد هذه اللحظة ان كل حساباته كانت خاطئة ، وان الامر كما يقول المغاربة ” لي فراس الجمل فراس الجمالة ” ، “ولي تيحسب وحدو كيشيط ليه…” اي ان ما يدور في رأس الجمل يعرفه من يقودون الجمل، ومن يجري الحسابات لوحده اي لحسابه فقط دائما يوفر … لكن الحقيقة شيء آخر . ايران سقطت ضحية اطماعها، ظنت ان الحبل الطويل الممدود لها هو ملكها تفعل به ما تشاء. لكنه كان حبل شنقها وتعليقها …..و هاهي ارجلها تتراقص الى الاسفل الما وخيبة وصدمة وموتا…
في لبنان، رفعت إيران من شأن “حزب الله”، ليصبح دولة داخل الدولة، وسيدًا على القرار اللبناني . بدا ذلك إنجازًا من وجهة نظرها، لكنه حوّل لبنان إلى ساحة حرب اقتصادية وسياسية واستخباراتية، وأدخل هذا الحزب ـ الميليشيا شعب لبنان كله في دوامة العقوبات والارتهان. الحبل الذي أرادت إيران أن تجر به إسرائيل، التف أولاً على بيروت، ثم على رقبتها ذاتها.
أما في اليمن، فقد صعد الحوثيون بشعارات “الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل”، لكن الموت الحقيقي كان من نصيب اليمنيين المفقرين والمجوعين . صنعاء سقطت، واليمن كله انهار، وإيران لم تجنِ إلا الحصار والتنديد. وعندما بدأ الحوثي يهاجم السفن في البحر الأحمر، ظنت طهران أنها تمسك بالعالم من عنقه، لكنها سرعان ما وجدت نفسها في مرمى الرد الدولي، لا حباً فقط في إسرائيل، ولكن دفاعاً عن مصالح استراتيجية لا تحتمل مزاج الحروب المذهبية.
في العراق، لم تسر الأمور حسب هوى الملالي . الحشد الشعبي الذي نشأ كذراع لإيران، ما لبث أن تحوّل إلى أزمة وطنية تمزق القرار العراقي وتثير الشارع. فانطلقت المظاهرات ضد الملالي،وارتفعت الشعارات “إيران برّا برّا”، أصبح واضحًا أن العراقيين قد فهموا اللعبة.
فالثورة التي تقوم على المذهب والطائفة تأكل أبناءها وتاكل الاخضر واليابس، وهذا بالضبط ما حصل. إيران أعطت الحشد ما يكفي من الحبال ليمارس سلطته، لكنه سرعان ما أصبح عبئاً على طهران نفسها، التي لا تملك لا القدرة على الانفصال عنه ولا السيطرة عليه بالكامل.
أما سوريا، فقد كانت نقطة فشل ذريع، بل هي النقطة التي افاضت الكأس،وقربت رأس طهران من الحبل . استثمرت إيران هناك أموالا وعلاقات وأسلحة وحتى دماء الايرانيين وميليشيا حزب الله وميليشيات اخرى، وبنت قواعد ومستودعات، ثم ما لبثت هذه المواقع كلها أن أصبحت أهدافاً يومية للطائرات الإسرائيلية، التي تضرب بدقة وتنسحب بأمان ، فيما إيران تنكر وتندد وتدس رأسها في التراب. …ثم تلعق جراحها. إسرائيل لم تكن يومها تحتاج لحرب شاملة، حيث كلما امتد الحبل الإيراني في دمشق، جاءها الرد من السماء سريعًا، ومهينًا، وجراحيًا بامتياز.
وفي فلسطين، حيث راهنت إيران على دعم فصائل المقاومة كرافعة إيديولوجية، لكن الوقائع أثبتت أن تلك العلاقة لم تعد تجلب لها سوى المآزق واللعنة من الفلسطينيين انفسهم، خاصة من أهالي غزة الذين يرون أن جزءا من دمائهم واشلائهم في رقبة ملالي طهران…اسرائيل تذبحهم،وحماس تعتبرهم قرابين معدة للموت وايران تراهم حبالا تصطاد بهم طرائدها من بعيد، لكن انقلب السحر على الساحر ( ايران) وعلى من راهنوا على سحره ( حماس).
في معركة “طوفان الأقصى” مثلاً، وجدت إيران نفسها في موقف العاجز: فهي غير قادرة على التدخل، و غير قادرة على التنصل.
لقد أصبح جزء من المقاومة الفلسطينية مجرّد ورقة محروقة في يد نظام الملالي الذي لا يحسن اللعب على كل الحبال، بل لم يكن يعرف ان من راهنوا عليه في غزة كانوا حبلا قرب يد الجلاد من رقبته اكثر فأكثر..
هنا، تتجلى عبقرية إسرائيل وقدرتهل على إدارة الوقت والتحالفات..وقدرتها ايضا على تشبيك ولف الحبال على الاعناق …فهي لم تسحب الحبل الطويل المعد ل ايران بشكل خاص ، بل انتظرت بصبر وتأن وترقب أن تبدا إيران بلفه على عنقها، وهنا تتدخل العنكبوت لاكمال العملية بسلالسة ودربة وحنكة… فبينما كانت طهران تعتقد أنها تتوسع وتتمدد، كانت إسرائيل ترصد وتوثق وتخطط وتمد حبالها في كل اتجاه.
فالحرب لم تعد تحتاج إلى جيوش فقط، بل إلى اختراقات سيبرانية خيالية، مثل الهجمات التي عطلت المنشآت النووية ومنصات اطلاق الصواريخ ، وعمليات الاغتيال النوعية، وخنق الاقتصاد الذي قوامه العقوبات، وزرع الجواسيس ،وتفكيك نسيج المجتمع الايراني ، وتأجيج الاحتقان الاجتماعي…وهكذا سقطت كل الشعارات ، من قبيل “الموت لأمريكا” ، وانكشفت العورات، ولم تعد المزايدات باسم القدس تنفع.
إن مأساة نظام ملالي طهران أنه صدّق روايته. وظنّ أن المذهب درع لا يُخترق، وأن الولاء الطائفي جدار لا يُهدم. لكنه لم يدرك ان هذا المذهب ايضا حبل من بين حبال اخرى يتلف على رقبته عندما تدق ساعة الصفر، و أن كل ما بناه هو أكثر هشاشة مما تصوّر.
كل حليف تحوّل إلى عبء. كل شعار اصبح مجرد صوت نشاز. كل قاعدة أصبحت هدفًا. كل خطاب ولاء انقلب عليه. والمشكلة الأخطر، أن أي ردّ لم يعد ممكنًا.
والسؤال الآن: هل من طريق للخروج؟ الأرجح أن لا، طالما أن نظام الملالي لا يعترف بأنه هو من مدّ الحبال وربطها، ثم جلس تحتها، يصفق لنفسه.
الحبال التي كانت ايران تظن أنها مفاتيح وأسباب للتوسع، صارت الآن سببا في خنقها وقتلها وانهاكها .
ربما لا تحتاجةاسرائيل أن تسقط النظام، بل فقط ان تحكم كل الحبال على رقبته وتراقب هي وحلفاؤها كيف يسقط من تلقاء نفسه.
فالموت لا يأتي دائماً من الخارج، أحيانًا يكون في الحبل الذي صنعته بنفسك، ومددته بفخر، ولم تدرك أنك ستتدلّى منه… مرة واحدة.
ومرة أخرى يقول المغاربة: ” باش تقتل باش تموت املاك الموت ” ..اي كما قتلت غيرك ستموت انت ايضا…او كما تدين تدان…او ان الحبل الطويل ليس دائما امتيازا، انما جعلوه اطول كي يلفوه حول عنقك عشرات المرات…ويقتلوك مائة مرة …
فمن سيبكي نظام الملالي الذي سيسقط بحبال كثير منها من نسج يديه ؟؟
لحسن عدنان
القنيطرة – المغرب
التعليقات مغلقة.