الانتفاضة // فؤاد السعدي
اليوم، أصبح من الضروري التفكير بعمق ومسؤولية في طبيعة النشاط الذي يُروج له تحت اسم “مهرجان عيساوة”. فن العيساوة ليس رقصة موسمية ولا مجرد فلكلور للتسلية. إنه تراث لامادي أصيل، ضارب في عمق الهوية الروحية والثقافية للمغرب، ومكناس هي معقله التاريخي والروحي.
إذا كنا نطمح فعلًا إلى مهرجان حقيقي، فليكن مناسبة للتعريف بهذا الفن، بأصوله وجذوره، بدعوة الطوائف العيساوية من مختلف ربوع المملكة، وتنظيم ندوات علمية، واستضافة باحثين ومختصين وأساتذة، والاشتغال على التوثيق والبحث والاستثمار الثقافي الأمثل لهذا الإرث الغني. هذا هو المسار الصحيح.
أما أن يتحول المهرجان إلى كرنفال للغناء والشطيح والرديح، ومناسبة لتوزيع الدعوات على الأصدقاء والمقربين، وصفقات في الكواليس، فذلك ما لن نقبله ولن نسكت عنه. نحن أمام تمويل عمومي واضح، دعم من جماعة مكناس، مجلس العمالة، جماعة الستينية، وجهة فاس مكناس. وبالتالي المال العام لا يمكن أن يُستغل للمحابات أو هاذ المغني صاحبي نجيبو وزيد وزيد أو شراء الولاءات ووو
الكل يتذكر كيف أن مجلس جهة مكناس تافيلالت سابقًا حاول تنظيم مهرجان خاص بالعيساوة، لكنه اصطدم بصعوبة إخراج الفكرة بالشكل اللائق، بسبب الحمولة الرمزية والثقافية العميقة لهذا التراث، وهو ما أدى إلى فشل المبادرة آنذاك رغم الإمكانيات المتاحة. واليوم، حين تطفو على السطح محاولات فردية أو جمعوية لا تملك لا التكوين ولا الامتداد في هذا المجال، وتدّعي أنها قادرة على تنظيم مهرجان بهذا الحجم وبتلك الميزانية، فالأمر يستدعي التوقف والرفض. فكفى من العبث، لأن تراث من هذا العيار لا يُختزل في مبادرات عشوائية ولا يُسلَّم لمن لا يفقه في رمزيته شيئًا.
خلاصة القول، “لي بغى يدير لاباس، ماشي على ظهر المكانسة ولا جيوب المكانسة ولا تراث المكانسة”، لأن مكناس لا تحتمل فضيحة جديدة.
التراث ليس لعبة، والمهرجانات مسؤولية، والمال العام أمانة.
ولنا في الحديث بقية…
التعليقات مغلقة.