واقعة والي مراكش: بين حرية النقد وانفلات التشهير

الانتفاضة

ما الذي أصاب القوم؟

وهل ما نعيشه اليوم من تحوّل في اهتمامات الناس إلى تتبع أخبار الغير، واصطياد هفواتهم، هو ظاهرة صحية تعبّر عن وعي مجتمعي يقظ، أم أنه مرض عضال يستوجب الوقوف عنده ومواجهته بالحزم والوعي؟

لقد أصبح كثيرون لا يجدون راحتهم إلا في مراقبة تصرفات الآخرين وانتقادها بأقسى العبارات، حتى ليُخيّل إليك أن من أشارت إليه الأصابع قد ارتكب جريمة نكراء تستوجب القصاص العلني، بلا تساهل، ولا حق في الدفاع، ولا فرصة لدرء التأويلات.

وياللأسف، فلو سُخّر هذا الغضب الشعبي لمحاربة المعاصي والذنوب، أو وُجه نحو النصح والموعظة الحسنة، لكان في ذلك خير كثير. ولو صُبّ هذا التنديد على ما يُرتكب في حق الوطن من خيانات وتشهير ونهب للمال العام وهدر للفرص وفساد في التسيير، لكان أجدر وأولى.

لكنّ العكس هو الحاصل :

_ فمن يقف أمام الجزار ليشتري لحمًا من ماله الحلال، قد يتحول فجأة في عيون الناس إلى مذنب يستحق اللوم والعار، وكأن ما فعله منكر عظيم! وهكذا نُهش لحم الإنسان، بلا رحمة، ولا روية، ولا استحضار لنية أو ظرف أو خصوصية.

لم يعد أحد في مأمن من هذا السيل الجارف: لا فقير معدم، ولا موظف بسيط، ولا حتى مسؤول في منصب عمومي… كما وقع مع والي جهة مراكش، الذي وجد نفسه في مرمى السخرية والاتهام، بعد أن تناقلت عدسات المصورين صورته أثناء نحره أضحية العيد في مصلى سيدي اعمارة بمراكش.

ولست هنا لأدافع عن جهة بعينها أو أزكي سلوكًا خاصًا، لكن ما يحزّ في النفس هو هذا الميل العام نحو تضخيم الأمور، وتجاوز حدود اللياقة، وتغليب الإثارة على الإنصاف، والتشهير على التحليل، واستغلال حرية التعبير في قصف الناس وإيدائهم، حتى صار النقد البناء، البعيد عن التجريح وتكليب الرأي العام، عملة نادرة.        إن ما نحتاجه اليوم ليس مزيدًا من الغضب، وإطلاق الكلام على عواهنه ،  بل جرعة من الحكمة، واتزانًا في الحكم، ورحمة في النقد، وتربية على احترام الكرامة الإنسانية، أيا كان موقع صاحبها.

التعليقات مغلقة.