الانتفاضة
في كل مرة نرفع صوتنا احتجاجًا على الفقر والتفاوت الاجتماعي أو الفساد أو سوء التسيير يُخرجون لنا أسطوانة الوطنية المشروخة وكأن الوطن ملكٌ لهم وحدهم وكأن من يطالب بحقه في العيش الكريم خائنٌ يجب أن يُسكت لكن دعونا نضع الأمور في نصابها الوطن ليس أشخاصًا ولا مسؤولين الوطن ليس سياساتٍ ارتجالية ولا قراراتٍ عشوائية الوطن هو الشعب هو الذين يبنون بعرقهم هذا البلد هو الذين يدفعون الضرائب من قوت يومهم بينما تزداد ثروات حفنةٍ من المحظوظين الذين يملكون كل شيء ويطالبونك في المقابل بأن تصمت وتبتسم.
إذا كان هناك من يظن أن انتقاد الأوضاع هو خيانة للوطن فليتذكر أن أول المنتقدين كان جلالة الملك حين طرح في خطابه الشهير السؤال الذي لا يزال بلا جواب أين الثروة؟ ألم يكن هذا التساؤل اعترافًا بأن الثروات لا تصل إلى من يستحقها ألم تكن كلماته الصريحة اتقوا الله في وطنكم موجهة إلى أولئك الذين استباحوا خيرات البلاد وجعلوا الوطن بقرة حلوبًا لأنفسهم ولمن يدور في فلكهم فهل كان الملك في نظرهم أيضًا غير وطني لأنه انتقد الوضع أم أن الوطنية عندهم تُقاس فقط بمدى قدرتك على التطبيل والتصفيق.
حين ننتقد الفقر والبطالة وسوء الخدمات نحن لا نطعن في الوطن بل نكشف حقيقة أن هناك من يتلاعب به ويستغله لصالحه حين نفضح الفساد والمحسوبية ونهب المال العام نحن لا نسيء إلى البلاد بل نحميها ممن يعتبرونها ضيعةً خاصة حين نطالب بالعدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للثروة نحن لا نخرب بل نقاوم الخراب الذي تسببت فيه السياسات الفاشلة من يجرؤ على المزايدة بالوطنية عليه أن يشرح لنا كيف يكون الوطن قويًّا وشبابه يغرق في البطالة كيف يكون الوطن مستقرًّا وشعبه يُسحق تحت وطأة الغلاء كيف يكون الوطن بخير ومستشفياته بلا معدات ومدارسه بلا جودة وقرى كاملة تعيش في عزلة وكأنها خارج الزمن.
الذين يطالبوننا بالصمت بحجة أن الانتقاد يُسيء إلى صورة الوطن لا يقولون لنا لماذا يُسمح للمسؤول أن يسرق ولا يُسمح للمواطن أن يتكلم لماذا يُغفر للفاسد وتُعاقب الضحية لماذا يُمنح الأغنياء امتيازاتٍ بلا حدود بينما يُطلب من الفقراء أن يقنعوا بالفتات كيف يمكن لوطنٍ أن يكون لجميع أبنائه وهو يدار كملكيةٍ خاصة بأيدي قلةٍ تحتكر السلطة والثروة وتأخذ القرارات بعيدًا عن نبض الشارع.
الحب الحقيقي للوطن ليس في التصفيق الأعمى ولا في التطبيل للقرارات الكارثية الحب الحقيقي هو أن ترفض الظلم أن ترفع صوتك ضد الفساد أن تطالب بحقك لأن الوطن لا يبنيه الصامتون ولا المنافقون بل من يملكون الجرأة على قول الحقيقة حتى وإن أزعجت المستفيدين من استمرار هذا الوضع.
التعليقات مغلقة.