الإنتفاضة :
العودة من التيه : وقف خالد عند باب البيت، حقيبته على كتفه، وعيناه تودّعان كل زاوية في المكان. كانت أمه تبكي بصمت، وأبوه يخفي دمعة عصية خلف نظارته. اقترب منه والده، احتضنه طويلاً، ثم ناوله مصحفًا وسجادة صلاة، وهمس:
“حافظ على صلاتك، وابتعد عن رفاق السوء… وتذكّر، في الغربة لن تجد إلا نفسك وربك.”. قَبٌَّل خالد يد والده، وانحنى لأمه يُقَبِّل قدميها، والدموع تُبلل وجنتيه. قال بثقة مرتجفة:
“سأكون كما تتمنون… وسأشرفكم.”.
في الغربة، حطّت الطائرة في بلدة أنيقة، نظيفة، يسير أهلها وكأنهم يتسابقون مع الزمن. شعر خالد بالغربة تتسلل إلى قلبه، لكنه وجد أول خيط أمل حين توقفت سيدة مسنّة وسألته بلطف: “هل تحتاج مساعدة؟”. بدأت الدراسة، وتفوق خالد بسرعة. جذب الأنظار بذكائه وأدبه، فانهالت عليه الدعوات والصداقات والأنشطة. شيئًا فشيئًا، انجرف… سهر، علاقات، عمل ليلي، وغياب عن المحاضرات. حتى جاء اليوم الذي جرب فيه المخدرات، ثم تورط في الإدمان، حتى انتهى به الحال بجرعة زائدة أفقدته عقله وسلبته اتزانه. رن هاتف العائلة يحمل الخبر الذي شقّ قلوبهم:
“ابنكم في حالة عقلية حرجة… ننصح بقدومكم فورًا.”. عاد خالد إلى بيت أهله، لكن ليس كما رحل. كان غريبًا في هيئته، مهووسًا بتصرفاته. لا ينام، لا يأكل، يصرخ ليلاً، وينزوي نهارًا. صار البيت مظلماً، غارقًا في الحزن والأسئلة بلا أجوبة. جربت الأسرة كل شيء… أطباء، أدوية، رقى، زيارات لأضرحة، لكن دون جدوى. حتى دخلت حياتهم “سمية”، أخصائية نفسية، لم تحمل أدوية، بل حملت صبرًا وفهمًا. جلست أمام خالد يومًا بعد يوم، تقرأ له، تحكي، تصمت، وتنتظر. وفي لحظة فارقة، رمش خالد وهو يسمع اسم والدته في إحدى القصص… ثم نظر. كانت تلك بداية العودة. مرت أسابيع، ثم شهور. بدأت الكلمات تعود، ثم الوعي، ثم الابتسامة. جلساته مع “سمية” أصبحت حوارًا، وعيناه عادت تتلمسان وجوه أحبائه. وفي صباح شتوي، دخل على والدته ممسكًا بالمصحف القديم، ووضعه في حجرها، وقال بصوت خافت:
“دعاؤك ما خانني… تأخرت، لكني راجع.”. سقطت دموع الأم على وجهه كأنها تغسل كل ما مضى، ووقف الأب على عتبة الباب يهمس:
“الحمد لله… عاد ابني.”. كانت الغربة أقسى من أن تُختصر في بلد، لقد كانت غربة عن النفس، عن الطريق، عن الدعاء الذي لم ينقطع. وسقوط خالد لم يكن نهاية، بل بداية… بداية رجوع، بداية فهم عميق أن الحب والدعاء والصبر، يمكنها أن تُنبت حياة جديدة من رماد التيه. : محمد السعيد مازغ
التعليقات مغلقة.