وصايا لقمان في زمن الضياع: حين يُساء تقدير القيم

الانتفاضة

ما أحوجنا إلى وصايا لقمان في زمنٍ ضاع فيه الصدق، وساد فيه الزيف، وصار الفاشل زعيمًا يصول ويجول، والناجح مقيدًا مكبّلًا، يتعثّر في طريقه بين الأحقاد والمؤامرات. زمنٍ انقلبت فيه الموازين، حتى بات الصامت حكيمًا، والمتكلم متّهمًا، والمخادع ذكيًا، والشريف ساذجًا.

نحتاج إلى حكمته التي تُعيد للنفوس رشدها، في عالمٍ يلهث خلف السراب، حيث تُباع المبادئ وتشترى الذمم، ويُقاس النجاح بالصخب لا بالعطاء. نحتاج إلى كلماته التي تُذكّر أن الظلم لا يدوم، وأن العدل قد يتأخر لكنه لا يموت، وأن الحق، وإن حاصروه، سيظل كالشمس، تحجبه الغيوم لكنها لا تطفئه.

في زمنٍ يُهان فيه الصادق، ويُكافأ المخادع، لا بد أن نتذكّر وصيته: “ولا تصعِّر خدك للناس ولا تمشِ في الأرض مرحًا”، فكم من متكبرٍ سقط، وكم من متواضعٍ علا شأنه دون أن يسعى.

وكم نحن بحاجة إلى قوله: “وأمر بالمعروف وانهَ عن المنكر واصبر على ما أصابك”، في أيامٍ صار فيها القابض على الحق كالقابض على الجمر، والمتمسك بالمبادئ كمن يسير وحيدًا في مهب الريح.

هذه الوصايا ليست مجرد كلمات، بل مفاتيح للخلاص في زمنٍ تتراكم فيه الخطايا كالغبار، وتُباع فيه القيم في سوق المصالح. فلو عاد لقمان اليوم، لرأى البشر يتخبطون في ظلام نفوسهم، ثم قال كلمته الأخيرة: “لقد أوصيتكم… ولكن، هل سمعتم؟ أم أنكم أضعتم حتى آذانكم؟”

التعليقات مغلقة.