الانتفاضة
حرية التعبير، التي يفترض أن تكون إحدى الركائز الأساسية لأي مجتمع ديمقراطي، تتحول تدريجياً إلى مجرد شعار فارغ يتم ترديده في المناسبات الرسمية. بينما يُفترض أن تكون حرية التعبير وسيلة لتمكين الأفراد من الكشف عن الحقيقة والتعبير عن آرائهم دون خوف، نجد أن الواقع مختلف تماماً في العديد من البلدان، بما في ذلك بلدنا. فالحرية أصبحت محاصرة بالقوانين التي لا تعاقب سوى على التعبير عن الحقيقة، وتُغض الطرف عن أولئك الذين يتسببون في تدمير المجتمع عبر الفساد.
في السنوات الأخيرة، تم تشريع قوانين جديدة تستهدف بالدرجة الأولى تقييد حرية الصحافة وحرية التعبير، تحت شعار “حماية الأمن الوطني” أو “حماية السلم الاجتماعي”. لكن في الواقع، هذه القوانين ليست سوى أدوات لحماية الفاسدين. فعندما ينتقد المواطنون أو الصحفيون سوء الإدارة أو فساد الحكومات المحلية أو المركزية، فإنهم لا يواجهون ردود فعل قانونية تحترم حقوقهم في التعبير، بل يُستهدفون بالقوانين القمعية التي تمنعهم من المضي قدماً في كشف الحقائق.
السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا تُشدد هذه القوانين بدلاً من توسيع مساحة حرية التعبير؟ لماذا يتم تقييد الصحافة والمدونين الذين يكشفون عن ملفات الفساد، بدلاً من محاسبة الفاسدين أنفسهم؟ الإجابة واضحة: لأن القوانين لا تستهدف الفساد بقدر ما تستهدف الصوت الذي يفضح الفساد. الحكومة، بدلاً من أن تحارب الفساد بجدية، تختار أن تحارب من يتحدثون عنه، وتُغلق الفضاءات العامة التي قد تكشف تلاعبات السلطة.
هذه القوانين الجديدة تجعل من الصعب على أي شخص أن يُبدي رأيه بحرية، وتُجبر الصحافة على اتباع خطوط حمراء لا يمكن تجاوزها، مما يُعزز من ثقافة الصمت والخوف. في الواقع، أصبح التعبير عن رأي مخالف بمثابة تهديد للسلطة، وأي نقد يتم توجيهه يُعتبر جريمة ضد النظام بدلاً من أن يُنظر إليه كحق مشروع. وفي الوقت الذي يُحتفل فيه بحرية التعبير على الورق، تُمارس الحكومة سياسات قمعية تجعل من الصعب لأي شخص أن يُعبر عن الحقيقة.
إن حرية التعبير يجب أن تُعتبر سلاحاً لمحاربة الفساد وليس أداة لتغطيته. عندما تُحد من هذه الحرية، فإنك ببساطة تفتح المجال أمام الفاسدين للاستمرار في نهب خيرات الوطن دون رقيب. حرية التعبير لا تحمي فقط الحق في الكلام، بل هي جزء أساسي من محاسبة الحكومة على أعمالها. ومع تشديد القوانين ضد هذه الحرية، تُغلق أي فرصة للمحاسبة أو الإصلاح، ويستمر الفساد في التفشي.
في النهاية، إذا كان الهدف هو فعلاً محاربة الفساد، فلابد من توسيع نطاق حرية التعبير بدلاً من تقليصه. الحكومة التي تقيد أصوات الناس، لا تقاوم الفساد، بل تحميه
التعليقات مغلقة.