الانتفاضة //حفيض زرزان
يبدو أن “معركة” مدونة الأسرة أصبحت إيديولوجية أكثر ما هي مصلحة وطنية، وأن ميثاق الزوجية والطلاق صار صكا تجاريا بدل أن تحكمه قيم تربى عليها المغاربة في الأوساط المجتمعية في القرى والمداشر والحواضر. لذا نقول كفى.
أراد أحد الأقارب فك ارتباط مع زوجته التي ضبطها في حالة تلبس بالفساد بالشارع العام، فلم يعر الناس انتباها لشكايته ولا للرجل المتزوج الذي لقف “تائهة” وفاشلة في علاقتها الزوجية ليحاول ربط علاقة فساد بها قبل أن يتلقفه قريبي ويلكمه على طريقة “اولاد الشعب” قبل أن يتوجهوا جميعا إلى “الكوميسارية”. وهناك تم ما تم مما يعرفه الجميع ولا داعي للخوض فيه، بل الترفع عنه.
محكمة الأسرة وهي تنظر في الملف، لم تر إلا النصوص أمامها، واندست شكاية الفساد وسط الأوراق، لتحكم ب40 ألف درهما إذا أراد قريبي إنهاء العلاقة الزوجية، والمسكين يشتغل ب 70 درهما لليوم!!!
زوجة لا تصلح وثبت في حقها ” شذوذ” في الخلق العام تكرمها المحكمة بدل أن “تربيها” بمفهوم المغاربة؟!!
لابد من إنسانية الملك محمد السادس وحرصه على حقوق المرأة، لكن لابد من العودة لصرامة الحسن الثاني رحمه الله في أمور. صرامة ومرونة وإنسانية ممتزجتان حسب الحالة.
أصبح الطلاق مصدر دخل مهم للمرأة المتسيبة، لا الحرة الناضجة، وتم إفراغه بالمفهوم القانوني من ” الردع” المراد منه شرعا كحلال مبغض. قصة وقصص كثيرة وكبيرة تحكي المأساة في الهوامش، ويبدو أن من يشرع اليوم، لا ينتبه أن القاعدة القانونية التي يصيغها لم تعد عامة ومجردة، بل أصبحت على مقاس الطائفة والحزب والإيدلوجية والصراع!
ولا ارى لا مصلحة فضلى لا للطفل وللمراة في جرهم من عنقهم نحو المال مقابل تشتيت الشمل وتشريدهم وسط المحاكم بكل مرة استغلالا لعوزهم وإفشالا لزيجة!
رحم الله الحسن الثاني الذي قطع مع الأهواء والأدواء وكثرة الآراء في امور لابد فيها من الحزم. كان رحمه الله يجل أساتذته ومنهم عبد الهادي بوطالب في حكاياته على قناة الجزيرة.
وكان رحمه الله يجل العلماء والحكماء والفقهاء ويوقر الشريعة رغم كل شيء.
كان رحمه الله حريصا على إسلام المغاربة وقيمهم رغم ما قيل ويقال عنه من خصومه وممن نازعوه الحكم والسلطة. من يريدون تحويل المغرب إلى مصدر دخل هام ابتزازا واستفزازا دون إنجاز!
طوال فترة صمتي التي قضيتها “مسجونا” وممنوعا من الرأي، كانت فرصة لأحاول سبر أغوار سياقات دولية من حرب باردة، وإقليمية عربية سواء ثورة إيران او انقلاب العسكر، كلها ربما ساهمت و صاغت شخصية الحسن الثاني رحمه الله في الحكم. انصنتنا للطرف الثاني كثيرا، ربما آن الأوان ان ننصت للحسن الثاني الطرف الأول في المعادلة.
خلال فترة صمتي حاولت الاقتراب من الصحفي معنينو بارك الله في صحته الذي حكى ليلة روحانية قضاها الراحل في الحرم المكي وبكى عند رسول الله. لقد كان رحمه الله رغم كل شيء سليل الأسرة النبوية.
ولعلها وصلة كانت تختفي وراء صرامة الحكم وخصومة الانفلاتات والانقلابات وبناء الدولة الحديثة. رحمة ووصلة كانت تنفلت حين مات الأخ عبد الله رحمه الله فسكب الملك دموعا وانحنى جاثيا يرثي أخاه. مهما بدت صرامة الحكم وضبطه وحزمه وحتى أموره، كان خلف الراحل إنسان مهما كان.
هذا جزء آخر من شخصية الحسن الثاني الذي كان أعداؤه يحرصون ان يظهر الجزء القاسي من شخصيته، وأن يفتكوا به، حيا وراحلا.
ولعل كل ما مر به، جعله لا ينسى ولم ينس من لحظتها المتربصين بالحكم، الطامعين والطامحين ليس فقط في السلطة، بل كانوا أشد ديكتاتورية وكادوا ان يحولوها عسكرية دموية او غير ذلك.
الخلاصة الحكم ليس سهلا، وبناء دولة ومؤسسات امام “تحراميات” النفس البشرية ليس نزهة. والاتفاقات والتعاقدات والالتزامات وتنفيذها ليس هو الحديث عنها مجرد كلام وفقط!
لذا ربما صيغت شخصية الملك بتلك الطريقة. ومن لايضع شخصية الراحل في سياقات تشكلها وما كان يحيط به من اخطار واسرار. يخطئ النظر.
ولعل من حسنات ذلك العهد توحيد المغاربة على مذهب مالكي وعقيدة أشعرية، طريقة الجنيد، والمنطقة تعج بالنعرات ولبنان غير بعيد عنا. فعمل رحمه الله على وأد الفتنة من زاوية رؤية أخرى غير التي كان يحكيها البعض. فأين المدونة من كل هذا؟
ذكرت كل هذا، بعد أن كثر القيل والقال في مجال صغير مدني ضخموه ونفخوا فيه لحسم معركة مع المختلفين، وتركوا الاوراش الكبيرة الحقيقية والمغرب مقبل على مواعيد دولية. وبرزت العضلات الفكرية وظهر كل مذهب ورأي شاذ. فالترحم على الحسن الثاني في مثل هكذا حالات وذكر فضله وجوانبه التي يتحاشى خصومه ذكرها واجب. صرامة لازمة دون تسلط وشطط.
ولعل حادثة مراسلة ولاية الرباط للمجلس الجماعي مؤخرا بشأن عدد من الإجراءات ستعرفها المدينة.
فاستجاب الجميع فورا واجتمعت الأغلبية والمعارضة وانطفأت نقاشات الماضي القريب و”الغواث” وخفت الاختلاف. هنا النظام والتنظيم أفضلية والصف المرصوص وراء المصلحة الوطنية اولى عندي من اي شعارات اخرى رفعها القوم وجعلوها فوضى ومصالح واختلافات ولا إنجازات!
لذا ساقول في موضوع المدونة أن نعود للاصول التي أسس لها الحسن الثاني من حياء عام وان نضع الامور في مكانها من حيث هي. كان العدول فقط يقومون بكل شيء ولم تكن المعدلات مخيفة كما اليوم.
موضوع الاسرة والمدونة بشكل عام يجب أن يعود لأهل الاختصاص حفظا لحقوق كل طرف ودون تغليب واحد على آخر بل ان نكون مع الحق. والشرع قد اعفانا من كثرة البحث ووضع لنا اسسا عامة عليها نبني، فلم التعب والنصب والبحث عن كل راي شاذ في التشريع لعامة المغاربة؟
فمتى كان الاستثناء يبنى عليه في بناء القواعد؟
القانون يكون عاما، وفيه استثناءات هذا هو الأصل. والاصل في العلاقة الزوجية الستر، فإذا بلغت الامور المحاكم وفجر الناس في الخصومات فعن اي صلح نتحدث؟
الأصل ان نزوات الغضب يطفئها الاقارب، ويتدخل العقلاء والحكماء. ثم تعالج الحالات الشاذة بالقانون. الاصل العام التربية والاخلاق والمعاشرة بالتي هي احسن مهما كانت الطباع حادة. اما وقد تحول الامر كله إلى صفقات وملكية وتجارة فالمال يغري بالطلاق أكثر من الإعمار والاستقرار.
إن أرقام الطلاق اليوم المهولة تدق ناقوس خطر بضرورة الحل. والحلول تبدأ بسيطة دون تعقيد. لما كان للطلاق مفعوله الزجري باللغة القانونية، وتخاف المرأة على بيتها وأولادها وتحرص عليهم، لم تكن الحالات بهذه الكثرة الصارخة. وكانت المشاكل تحل بطرق المغاربة المعروفة وتبحث عن الجمع.
التخفيف عن السادة القضاة مهم، وعودة الزواج لميثاقه ومقوماته، ووضع الرجل في مكانه راعيا ومنفقا وأبا، والزوجة في مكانها أما ومربية وسكينة. كل ذلك اساسي ثم بقية مواضيع المدونة استفاض الناس فيها حتى مللنا السماع.
هذا بعض نقاش يقارب الموضوع من زاوية متابعة الناس، والتخوف العام من تعديلات ستنسف القيم وتكشف الحرم (جمع حرمة).
وترسخ ان المودة والسكينة والرضى لم تعد اصلا. بل من يجيد الغبن والتدليس والنصب والاحتيال ويحفظ النصوص والقوانين ويتلاعب بها !!
التعليقات مغلقة.