الانتفاضة
الناشط الحقوقي الرئيس الوطني للمركز المغربي لحقوق الإنسان عبد الإله الخضري يناقش أطروحة الدكتوراه في الاقتصاد، الموسومة ب “النظام الوطني للابتكار بالمغرب، تحليل من منظور مبادئ اقتصاد التعلم”.
برحاب كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية السويسي التابعة لجامعة محمد الخامس بالرباط، في منتصف شهر دجنبر 2024 ،المناقشة أجريت أمام لجنة علمية مكونة من ثلة من الأستاذة الجامعيين المبرزين في جامعة محمد الخامس بالرباط وجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، التي توجت الطالب الباحث بدرجة الدكتوراه في الاقتصاد والتدبير بميزة مشرف جدا، في موضوع له راهنية كبيرة في السياق التنموي الشامل للمغرب الحديث، تحت عنوان: “النظام الوطني للابتكار بالمغرب، تحليل من منظور مبادئ اقتصاد التعلم”.
وتطرقت الأطروحة إلى مفهوم “النظام الوطني للابتكار ” الذي ظهر كمصطلح علمي في أواسط ثمانينيات القرن الماضي، ليشكل قطيعة حاسمة بخصوص مصطلح الابتكار من خلال الانتقال به من مقاربة ميكرو-اقتصادية تعتمد على نظرية شومبيتر (النظرية التطورية) التي تضع الابتكار في صميم ديناميات الشركات فقط، إلى رؤية ماكرو-اقتصادية متكاملة، ترتكز على التفاعلات الاستراتيجية بين الفاعلين المؤسسيين، العموميين والخواص داخل الدول، وعلى الدور المحوري للسياسات العامة في نشر ثقافة التعلم والابتكار في اقتصادات هذه الدول.

تشير الأطروحة بأن عالم الاقتصاد السويدي لوندفال (1992) الاقتصادي المشارك في ابتكار هذا المصطلح، ساهم بشكل كبير في تطوير مفهوم النظام الوطني للابتكار من خلال التمييز بين مقاربتين:
1- مقاربة ضيقة، وهي المقاربة التي تلائم الدول المتقدمة، وتركز على نتائج أنشطة البحث العلمي والابتكارفي مجال التكنولوجيا، لكون هذه الدول، استطاعت تكوين بنية تحتية مؤسساتية واقتصادية متطورة وحاضنة للابتكارات بشكل فعال.
2- مقاربة موسعة، أكثر توافقاً مع الدول النامية، حيث يفترض أن تقوم هذه الدول ببناء النظام الوطني للابتكار بأثر رجعي. وتركز هذه المقاربة الموسعة على تحليل سياسات الدول النامية ومدى محورية عنصر التعلم في أبعاده المختلفة في هذه السياسات، بما يؤدي إلى تحقيق العوامل الحاسمة لبناء منظومة ابتكارية وطنية، مثل السياقات السياسية والمؤسسية والتعليمية والثقافية والاجتماعية للدولة. هذه المقاربة تشير إلى أن على الدول النامية أن تضع أولويات في سياساتها تهدف بالدرجة الأولى إلى استدراك الفوارق وتحسين شروط عيش مواطنيها، وبناء مقدراتها وآفاقها المستقبلية الخاصة بها، بدل اتباع الدول المتقدمة، التي تتموقع في الحدود التكنولوجية، وهو ما يؤدي بها إلى استنزاف مقدراتها بسبب ضعفها على تثمين الابتكارات التكنولوجية داخل اقتصادها المحلي.
الأطروحة انطلقت من الإشكالية التالية : إلى أي مدى يمكن للمقاربة الموسعة لمفهوم النظام الوطني للابتكار (SNI) التي ترتكز على التعلم في فهم أعمق لشروط بناء وتطوير نظام وطني للابتكار خاص بالمغرب ؟ واعتمدت بحثا ميدانيا مبنيا على منهجية المقابلات شبه الموجهة، مع عدد من المسؤولين الكبار في مؤسسات تعتبر جزءا بنيويا من النظام الوطني للابتكار، حيث تندرج الدراسة ضمن الاقتصاد الكلي، وتهدف إلى تحليل السياسات العمومية التي اعتمدها المغرب منذ بداية الألفية الثالثة، من أجل بناء نظامه الوطني للابتكار من منظور اقتصاد التعلم “économie de l’apprentissage “، واعتمادا على نظريات مدرسة اقتصاد المؤسسات التطوري ”économie institutionnelle évolutionniste”، ومبادئ اقتصاد التعلم، المتعلقة بشروط إحداث نظام ابتكاري وطني في دولة نامية مثل المغرب، كشفت الدراسة الميدانية عن تحديات هيكلية كبرى، تحول دون تحقيق هدا الهدف، رغم مرور العقدين ونصف من الزمن، لخصتها الأطروحة في عدم كفاية الجهود في مجال التعلم “efforts d’apprentissage”، وكذلك نقص فرص التعلم “opportunités d’apprentissage “، بينما يبقى مسلسل التعلم “processus d’apprentissage”خاملاً إلى حد كبير. هذه النقائص تعود بشكل كبير إلى الاختلالات التي يعرفها المستوى المؤسسي بأبعاده السياسية القانونية والتنظيمية.

الأطروحة تضمنت إشارة إلى العديد من الخيارات المؤسساتية والاقتصادية، الذي تجسد هذه الاختلالات، سواء من قبل المؤسسات العمومية أو من قبل المقاولات الانتاجية، وتعكس ضعفا بنيويا في الجهود والارتهان إلى الإملاءات السياسية الخارجية والارتماء في أحضان مصالح الآخرين، مما أدى إلى خمول منظومة التعلم على كافة الأصعدة، مثل الانقطاع السياسي ) (discontinuité politique بين الحكومات المتعاقبة، الانعزال المؤسساتي داخل القطاعات الحكومية والإدارية المختلفة : cloisonnement institutionnel، مثل سياسة نظام المعالجة تحت التصرف السلبي(Trafic de perfectionnement passif) الذي أفاد أرباب مقاولات النسيج على المدى القريب من ناحية التكلفة وتخفيض رسوم الجمارك، لكنه جمد عقلية الابتكار داخل الشركات وجعلها متجاوزة تنافسيا على الصعيد العالمي، واللائحة طويلة من الاختلالات ذات البعد الاستراتيجي والمؤسساتي والتنظيمي.
هذه الاختلالات حسب مستنتجات البحث الميداني أدت إلى بروز “اختناقات مؤسسية بنيوية”، أرخت بضلالها على المؤسسات غير الرسمية “institutions informelles”، حيث تراكمت مظاهر الفساد المؤسسي، مثل تضارب المصالح والتطبيع مع أساليب الاستنفاع واللاثقة بين الفاعلين، مما أدى إلى انتشار ثقافة الانتهازية السياسية والاقتصادية، هذه الظواهر تُضعف حافز المبادرة وتقوض الإبداع والتجديد داخل المؤسسات بشكل كبير وزمن، وبالتالي تتسبب في إهدار المقدرات المادية وتحبط المواهب الكامنة، مما يضعف قدرة فعاليات المجتمع (أفراد وكيانات) من استيعاب المعرفة ومن تنمية قاعدة المعرفة الذاتية، ويعيق من اكتساب المجتمع ثقافة ابتكار حقيقية. مما يُجسد ما أطلق عليه الباحث : “Syndrome du seau percé – متلازمة الدلو المثقوب”. ونتيجة لذلك، يظل بناء نظام وطني للابتكار مغربي متطور وفعال بعيد المنال، ويفتقر إلى آفاق حقيقية للتنمية المنشودة، مادامت الفوارق الاجتماعية والبطالة وهدر الحقوق الأساسية (التطبيب والتعليم والسكن وو) في تفاقم.
ولمواجهة هذه النقائص، يشير الباحث في أطروحته إلى ضرورة تعزيز الجهود المتعلقة بالتعلم المؤسساتي وتوسيع دائرة الفرص ودمقرطتها والالتزام بمعايير الاستحقاق، اعتمادا على قواعد تقييم ومؤشرات كيفية فعالة لتتبع وتقييم السياسات، وذلك من خلال تفعيل آليات الابتكار المؤسساتي “innovation institutionnelle” في المستوى السياسي والمؤسساتي، وآليات الابتكار الاجتماعي على مستوى القاعدة الشعبية، على نحو يؤدي إلى تنشيط نظام التعلم الشامل على صعيد كافة المستويات، بما يمكن من دفع دينامية الابتكار الشاملة. فهذا التحول كفيل بتعزيز نظام وطني للابتكار قادر على المساهمة بفعالية في تحقيق نموذج تنموي شامل، مندمج ومستدام، وفق ما تشير إليه مبادئ اقتصاد التعلم.

وفي تصريح للباحث، اكد أن العديد من الدول استطاعت تحقيق نقلة اقتصادية قوية وفارقة، مثل الصين بفضل نظام وطني للابتكار خاص بها، يعتمد على الابتكار المؤسساتي، من خلال برنامج (Xiaoneng Jianshe – XNJS) من أجل تحسين أداء نظامها الإداري والحكومي، كما نجحت تركيا في بناء نظام وطني للابتكار قوي ومتناسق مع خيارات سياسية بعيدة المدى، استطاعت من خلالها تحقيق تنافسية عالمية في الكثير من المجالات الصناعية والاقتصادية عموما، والتموقع قرب الحدود التكنولوجية في بعض المجالات، بفضل رؤية مندمجة، وكان منطلقها في ذلك من خلال محاربة الفساد السياسي والإداري واحتكار الفرص الاقتصادية، كذلك الشأن بالنسبة لماليزيا التي نجحت في الرفع من مستوى الطبقات الاجتماعية السحيقة بفضل الابتكار الاجتماعي والتعليم المبتكر، المبني على رؤية ابتكارية مؤسساتية، والعديد من الدول النامية التي تتسارع لديها خطى التنمية، حيث نجدها تطلق برامج تحفيز للمبادرات ولاستقطاب المواهب الوطنية وتقوم بإنشاء منصات لتحفيز ودعم الشركات الناشئة “start-ups”. كل ذلك في بوثقة منسجمة ومتناسقة وغير مشتتة، فالمغرب يتمتع بفرص هائلة للتنمية لكنه لم يقم باستثمارها بشكل سليم للانتقال باقتصاد المغرب إلى اقتصاد للتعلم، واعتبر أن مبادرات كثيرة تم اعتمادها خلال العقدين الأخيرين، مثل مبادرة مغرب ابتكار، لكنها لم ترقى إلى استراتيجية حكومية حقيقية، لكونها كانت مبادرات صادرة عن وزراء انتهت بانتهاء ولايتهم، كما اعتبر مشروع المبادرة الوطنية للتنمية البشرية نموذج هائل للابتكار الاجتماعي، لكنه افتقد إلى مقومات النجاح، لكونه لم يوفر إطارا مؤسساتيا واقتصاديا محفزا كفيلا لضمان استدامة المشاريع المذرة للدخل وإنجاحها، إلا بنسبة ضئيلة جدا حسب الإحصائيات الرسمية، وترك المستفيدين منها ضحية بيئة مليئة بالتحديات والمخاطر، كما أن النظام التعليمي والتكويني يعيش على إيقاع فشل دريع، لا يساعد على صناعة الكفاءات وتطوير المقدرات البشرية وصقل المواهب إلا بنسبة ضئيلة، كما أن البيئة السوسيواقتصادية ليست حاضنة جذابة للمواهب والكفاءات، مما يؤدي إلى نزيف حقيقي للأدمغة، فضلا عن نظام حماية قانونية للابتكارات مليئ بالتحديات التي تضعف ثقة الصناعيين والمبتكرين في فعاليته.

من جهة أخرى، يشير الباحث إلى أن نظريات المدارس الاقتصادية التقليدية الغربية الرأسمالية، التي لطالما يعتمدها المغرب ويتغنى بها الفاعلون السياسيون بشكل كلي، لا تولي أهمية لمحورية دور المؤسسات والابتكار في تحقيق التنمية وخطورة اختلالاتها على تقويض جهود التنمية. وتجليات ذلك كثيرة، بحسب الباحث، حيث أشار على سبيل المثال إلى أن عملية التشريع مثلا تشكل عاملا حاسما في صناعة التنمية، إلا أن هذه العملية في المغرب لا تخضع لمقاربة هندسية نسقية مندمجة، فكل قطاع وكل إدارة معينة تسعى إلى صياغة تشريعاتها وقوانينها يمعزل عن باقي مكونات النسق السياسي والإداري العام، كما أنها في كثير من الاحيان تصاغ بطريق النسخ من الأجنبي، بعيدا عن خصوصيات المجتمع المحلي، وهو ما يؤدي إلى عدم انسجام في البنية التشريعية وعلاقتها بمتطلبات المجتمع، مما يؤدي إلى خسائر مادية ومعنوية جسيمة، وتدخلنا في دوامة تعديلات تشريعية لا تنتهي، كما أن بعض الخيارت السياسية والمؤسساتية كالتقطيع الإداري أو البرامج الاقتصادية التي لا تتماشى مع خصوصيات الساكنة تتسبب في هدر استثمارات هائلة دون فائدة، كما أن ضعف تظافر الجهود بين المؤسسات يؤدي إلى هدر الطاقة المؤسساتية la synergie institutionnelle، كل هذه الظواهر تفاقم من النزاعات وتوسع الهوة بين المواطن والمؤسسات، وهنا تأتي الابتكارات المؤسساتية، والمقاربات العلمية ذات الارتباط، لتمنح للمؤسسات ولصناع القرار آليات تقويم وتطوير مهمة، مثل نظرية المروحة الخماسية “quintuple hélice”، ونظرية ديناميات القرب “dynamique des proximités” ونظرية الفاعلين في الشبكة “Théorie des acteurs réseaux”، والكثير من النظريات الملهمة، لكن لا يتم تفعيلها ببلادنا للأسف.
الخلاصة العامة التي توصل إليها الباحث، أن التنمية في الدول النامية مثل المغرب، رهينة بإحداث نظام وطني للابتكار، المبني على المقاربة الموسعة، والعبرة ليس في تعدد بنيات البحث العلمي وإطلاق برامج دعم من هنا وهناك، وإحداث تنظيمات مشتتة لا رابط بينها، بل في رؤية سياسية واضحة، ومخطط استراتيجي ونسقي بين مكونات النظام، وفاعلين مؤسساتيين، من القطاع العام والخاص، يشتغلون وفق مبدأ التعاون والتظافر، لخلق قوة مؤسساتية جماعية، وهو ما يقتضي من خلاله التذكير بأن الابتكار لا يقتصر على التكنولوجيا، بل يشمل أيضاً إصلاح المؤسسات وهياكل الحوكمة.
التعليقات مغلقة.