من الكواليس إلى الكاميرا: مغامرة في عالم السياسة

الانتفاضة // محمد المتوكل // اميمة الفتاشي // صحفية متدربة

نلتقي معكم هنا في جريدة الإنتفاضة مع حلقات جديدة و القادمة من بودكاست كلام في السياسة للصحفي توفيق بوعشرين مع مزيد من التحليلات والنقاشات، حيث نتعلم معا ونسهم في بناء مستقبل أفضل.

في عالمنا اليوم، حيث تزدحم وسائل الإعلام بالمعلومات والتحليلات، يبرز الحديث عن السياسة كموضوع دائم الحضور. هذا النقاش لا يقتصر فقط على قاعات الإجتماعات أو صفحات الصحف، بل أصبح جزءا من حياتنا اليومية. من هنا، يأتي برنامج “كلام في السياسة” لصحفي توفيق بوعشرين ليعرض منظورا مختلفا حول السياسة وفهمها، حيث يقدم من خلال بودكاسه تحليلا بعيدا عن التعقيد الأكاديمي، ولكنه مليء بالعمق والنقد. ومن خلال هذا البودكاست، يسعى بوعشرين إلى تسليط الضوء على القضايا السياسية التي تؤثر في حياتنا جميعا، وتقديمها بلغة بسيطة تفهمها العقول وتصل إلى القلوب.
الكلام خطير والصمت أخطر! صفقات أخنوش ورعب صدام وحكمة تشرتشل وقصص أخرى – هو عنوان لحلقة من بودكاست كلام في السياسة مدته 29 : 20 دقيقة .

مساء الخير كلام في السياسة لماذا الأن ولماذا هنا مرحبا بكم في الحلقة الإولى من برنامج ومن بودكاست كلام في السياسة حيث نحاول أن نغوص في عالم سياسة بأسلوب ربما جديد لكنه بالتأكيد مختلف لماذا إخترت هذا التوقيت ولماذا قررت الظهور صوتا وصورة بعد سنوات من خلف الكلمات والحروف وعلى صفحات الجرائد وبين مداد الورق دعوني أشرح في البداية لا يمكن إنكار أن هذا هو زمن الفيديو والبودكاست .
الشباب اليوم يستهلكون من الفيديوهات على مواقع التواصل الإجتماعي أكثر مما يستهلكون الخبز وهذه ظاهرة تستحق نقاشا منفردا ربما نعود إليه في حلقات أخرى من هذا البرنامج .
والحقيقة أن هذه الخطوة لم تأتي من إختيار سيرف أي الظهور أمام الكاميرا وتحت الأضواء بعض الزملاء شجعوني وبعضهم حردني والبعض الأخر مارس علي ضغطا لطيفا قائلين لماذا لا تجرب الظهور صوتا وصورة وتساهم في تحسين الأداء الإعلامي خلف الكاميرا فهذا زمن الفيديو.
كنت أتحجج طويلا بأن عالم اليوتيوب مليء بالمعلقين والمحللين وحتى بعض المختلين لماذا أضيف قناة أخرى وسط غابة صخب هذه وسط هذا الضجيج الذي يشبه ضجيج النوارس فوق موانئ الصيد ، قلت مع نفسي لنساهم في نظافة البيئة السمعية البصرية ونجلس على كرسي المراقبة أفضل من المشاركة في حفل الجنون الجماعي الجاري على ساحه اليوتيوب ، حيث يبدو أن المشهد كما لو أننا في فيلم هندي الكل يتكلم في نفس الوقت وبصوت مرتفع والنتيجة لا أحد يستمع للأخر ولا أحد يفهم الأخر.
كنت أجد عزائي في كلمات شاعر الأرجنتين الكبير ( لويس بورخيس ) الذي قال ” أن تقرأ خير من أن تكتب ” حياة مكرسة للقراءة هي حياة نحياها بالفعل وعلى أكمل وجه ، وكنت أعيد صياغة هذا القول أو بالأصح أحرفه فيصبح أن تصمت في زمن الرداء والصخب خيرمن أن تتكلم ، فحياة مكرسة للتأمل بين جدران بيوتنا وأحضان عائلاتنا هي حياة لا يضاهيها شيء ، ومع ذلك يبدو أن الحياة دائما تحمل مفاجآت .
وبالحديث عن بورخيس هل تعلمون أن هذا الشاعر الكبير كان أحد مناهضي الديكتاتورية العسكرية في الأرجنتين ، وعندما صعد خوان بيرون إلى السلطة بعد إنقلاب عسكري عام 1946 لم يكتفي بإقصاء بورخيس من منصبه كمدير مكتبة عامة وشاعر كبير، بل عاقبه بتعيينه مفتشا على الدواجن ، نعم إستبدل الكتب التي كان يعشقها بالدجاج والفراخ والبيض الجيد والفاسد ، كانت هذه هي عقوبة بورخيس على موقفه السياسي ، هذه القصة تلخص الكثير مما أريد أن أقوله وأحكيه في زمن الرداء والرقابة الذاتية والخوف من قول الحقيقة ، يصبح الحديث مخاطرة لكن السكوت قد يكون أكبر مؤامرة وأكبر مخاطرة ، ليس بمصير الفرد بل بمصير البلاد كلها .
لذا قررت أن أخوض هذه المغامرة صوتا وصورة هنا وتحت الأضواء الكاشفة وأعدكم أنني سأحاول أن أجعل من الكلام في السياسة حديثا خفيفا على القلب ومفيدا للعقل وربما ممتعا ، إبقوا معنا في هذه الرحلة حيث نبدأ اليوم ونأمل أن نحدث فرقا في الغد ، هذا هو الجواب لماذا هنا لماذا أنا أمام الكاميرا بقي الجواب لماذا الأن ببساطة وبدون تذاكي للتو خرجت من السجن لم تمضي إلا أربعة أشهر على وضع رجلي الأولى خارج أبواب سزن العرجات جوج او كما كنت أسميه في حديثي مع زوجتي أسميه العرجات ولأني لم أحترف أي مهنة غير الصحافة ولأني لا أعرف مهنة الصمت ولأن جريدة أخبار اليوم أقفلت أبوابها لأسباب كثيرة ، ها أنا أطل من خلال هذه الكاميرا عليكم ، ومنايا أن أكون خفيف الظل مفيد الحديث في زمن أصبح الضجر يغلف كل شيء من حولنا ، لست ممثلا لأتقمص شخصية أخرى غير شخصيتي أنا الصحفي ، فأنا فقط أحاول أن أبني جسرا من الكلمات والأخبار والتحليلات بيني وبينكم حول الأحداث الجارية في بلادنا وفي العالم كله في قلب المغامرة هاته هواجس البداية أعرضها عليكم بتلخيص بدأت بإيمان وتسليم سأقولها ببساطة سلمت أمري إلى الله ووضعت يدي في هذه العصيدة الحارقة أو الحريرة الحارقة بتعبيرنا .
قلت لنفسي لماذا لا نحاول فكما قال ( غاندي ) مرة محرر الهند ” لا توجد محاولة فاشلة لمن يقوم بأي مغامرة فهو إما ينجح أو يتعلم ” الخاسر الحقيقي هو الذي لا يحاول شيئا ، وهكذا قررت المحاولة بين يدي ، وبين يدي هواجس أضعها أمامكم دون تكلف ولا تصنع ولا عقد ، لعلها تكون خارطة الطريق لهذه الرحلة ، التي نتمنى أن تكون بلا مطبات ولا مفاجآت ولا منعرجات خطرة لمهنة أصبحت بلا تأمين ، اليوم ولا شركة تأمين واحدة تستطيع أن تأمن صحفي على ما يقول أو ما يكتب .
الهاجس الأول كيف أبسط المركب كيف أتحدد في موضوعات معقدة ومركبة بلغة بسيطة ومفهومة ، هذا تحد كبير لا يجيده كثيرون لكنني أؤمن بالتعلم من الأخطاء والمراجعات المستمرة ، لن أقدم وصفة جاهزة أو حلول نهائية ، سأقدم محاولات متكررة علنا نجد معا تلك البساطة التي تصل إلى القلوب والعقول معا .
الهاجس الثاني ما الذي سنتحدث عنه ما هي السياسة سأتحدث عن السياسة والفكر والثقافة والكتب والروايات والقصص والتجارب من الحياة عشتها أوعاشها غيري ، ليس للوعد بالتأكيد بل لتقديم خلفيات تضيء الأحداث الجارية في الداخل والخارج والهدف هو الفهم قبل الحكم والربط بين الوقائع والمواقف والسياقات وإنتاج تحليل أعمق ، يعين على رؤية ما لا يظهر للعين المجردة ، السياسة تماما مثل الكتابة التي وصفها الكاتب الأمريكي الشهير ( ارنست همينغواي ) ” بكونها أخطر مهنة بعد صيد التماسيح في المياه الضحلة” ربما لهذا مات ارنست همينغواي منتحرا ، لأنه لم يطق الحياة وسط هذا النوع من المياه ، السياسة هي ملتقى طرق يتشابك فيها التاريخ والجغرافيا ، القانون والعلاقات الدولية ، زمن الحرب وزمن السلم وما بينهما ، ميزان القوى الناعمة والخشنة ، الصحافة والدعاية ، الظاهر والباطن ، الكذب بأنواعه وألوانه العديدة، كما قال ( وينستون تشيرشل ) “الحرب تقتل الإنسان مرة واحدة أما السياسة فتقتله مرات عديدة ” .
الهاجس الثالث عندي في تقديم هذا البودكاست هي أي لغة سأختار العربية الفصحى أم الدارجة المغربية الفصيحة ، سؤال قد يبدو بسيطا لكنه معقد للغاية فالفصحة تصل إلى جمهور عربي أوسع ، بينما الدارجة المغربية قريبة من القلب والفهم هنا في المغرب ، لهذا إخترت حلا وسطا لغة ثالثة تجمع بين الفصحى والدارجة لغة رشيقة سهلة ، تضمن تواصلا سلسا لأن الهدف الحقيقي هنا هو التواصل ولا شيء غير ذلك .
الهاجس الرابع في تقديم هذا البودكاست هو تجربة السجن كيف أتعامل معه تجربة السجن بالنسبة إلي وإلى كل من خاض هذه التجربة ليست جرحا سيلتئم بسهولة ، السجن كما وصفه الأدباء الروس بإبداع قل نظيره ” أنه قبر حياة ” تلك السنوات السبع التي قضيتها خلف الجدران الإسمنتية والأسلاك الشائكة والأبواب الصدئة تركت أثرا عميقا في النفس ، فالسجن حتى عندما تخرج منه فهو تجربة لا يخرج منك ، إنه شبيه بالنقش على شواهد القبور، التي تبقى حروفها بارزة رغم تآكل عظام الميت تحت التراب ، كلنا نلاحظ هذا عندما ندخل إلى المقابر نقرأ أسماء وتواريخ وفاة المرحوم لكن ربما عظامه لم تعد توجد هناك .
هدفي هنا ليس استعراض أدب السجن ولا تقديم علاج مباشر على الهواء سأحاول أن أحتفظ بمسافة بيني وبين تلك التجربة فلا أغرقكم في تفاصيلها ولا انثر حزني على الشاشة .
ومع ذلك إذا استدعى السياق لن أتردد في المرور السريع على تلك الذكريات وعلى تلك المحنة ، التي لم تكن شخصية فقط ، بل سبقها سياق وأعقبها سياق شخصي ومهني وسياسي وحقوقي .
هذه هي هواجسي وهذه بداية مغامرة قد تكون محفوفة بالمخاطر لكنها بلا شك مليئة بالفرص للتعلم والتواصل ، فلننطلق معا في هذه الرحلة نخطئ نتعلم ربما نصل إلى شيء مفيد وربما نصل إلى شيء جميل من يدري إبقوا معي فالأهم لم يأتي بعد .
السياسة بين الواقع والخيال إذا ما تسمعونه الأن هو حديث هذا الصحفي الذي قضى ربع قرن في هذه المهنة لم يكن أبدا صمت إحدى خياراته كما تعلمون الكلام في السياسة كان دائما حرفتي وشغفي ومغامراتي المفضلة ، حتى لو كلفني ما تعرفون وما لا تعرفون .
السياسة يا سادة كما عشتها أنا ربع قرن في مهنة أطلق عليها بلطف البحث عن المتاعب ، نعم أنا هنا لأتحدث عن السياسة ، لكن ليس من برج عاجي وليس بلسان شعبوي يلقي الكلام على عواهنه ، لن أستعمل الأسلوب الأكاديمي المحترف ولا الأسلوب الفهلوي الممجوج الذي يهرف بما لا يعرف ، أسلوبي مزيج بين العفوي المفكر فيها والتلقائي المتحكم فيها ، التحليل والنقد وربما بعض الفكاهة والسبب لأن السياسة والسياسيين هم الوحيدون الذين يقلدون الرسام الذي يجعلك أمام لوحته تصدق الكذب وتتصور الخيال حقيقة أو كما قال العبقري الإسباني ( بيكاسو) في سياق آخر طبعا ” الرسم هو الكذب الوحيد الذي يقول الحقيقة ” في هذه المفارقة يوجد الإبداع .
السياسة تعريفها البسيط والمعقد في آن ، السياسة بكل بساطة هي لعبة تنظيم السلطة وتوزيع الموارد في أي دولة ، سواء كانت هذه الموارد مادية أو رمزية كل هذا عبر إتخاذ عدد من القرارات تحدد العلاقة بين الأفراد والجماعات والدول والهدف الأسمى للسياسة هو منع الفوضى والحروب سواء كانت أهلية أو دولية لكن السياسة ليست مجرد نظرية نقرأها في الجامعات وفي المقررات الدراسية السياسة ممارسة أيضا للوصول إلى السلطة وأحيانا بأي ثمن .
وهنا تبتعد السياسة أن تصبح فن التوازنات تصبح فن الإختلالات كيف تحقق مصالح فئة صغيرة ضد مصلحة المجتمع ، مجتمع ينهار وتنهار الدولة عندما تأخذ السياسة هذا المنحى وما قضيه بشار الأسد أو بشار الفأر، هذه الأيام إلا نموذج ، لكن لا تنخدعوا السياسة ليست أبدا طريقا ورديا او حديقة جميلة بين زهور ملونة وعصافير تغني لحنا شجيا ، السياسة أقرب إلى حلبة مصارعة أو كما وصفها الرئيس اليمني الراحل (علي عبد الله صالح ) قال ” السياسة هي لعب فوق رؤوس الثعابين ” عبد الله صالح الذي لم يبني في بلاده عبر 30 سنة من الحكم كيلومترا واحدا من السكة الحديدية ، عندما واجهه الشباب العربي في 2011 وخرجوا شباب اليمني للإحتجاج خرج عليهم يصرخ لقد فاتكم القطار أو بتعبيره فاتكم الكيطار، في يمن لا يوجد فيه قطار ربما لو كان في اليمن قطار واحد فربما ما كان شعبك خرج إلى الشوارع يطالب برحيلك ، من يدري السياسة أيضا هي سياسة التاكسيات في الدار البيضاء ، هل فكرت يوما أن السياسة تشبه سيارات الأجرة في مدينة عملاقة مثل البيضاء ، دعوني أشرح تطلب سيارة أجرة تاكسي في الدار البيضاء فلا يتوقف لك أي سائق ، لا تعرف هل هؤلاء السائقين يقلون الإنس أم الجن في هذه المركبات الحمراء وعندما يحدث أن تقف سيارة مهترئة أمامك يأخذك السائق إلى حيث يريد هو وليس حيث تريد انت السياسيون يفعلون نفس الشيء تقريبا عندما تحتاجهم بشدة يمرون أمامك دون توقف وعندما يتواضعون في موسم حصاد الأصوات أي في الإنتخابات ويتوقفون يأخذونك إلى وجهة لم تكن تخطط لها أبدا ، يأخذونك حيث يريدون هم لا حيث تريد أنت خاصة إذا كان في الدار البيضاء طريق يؤدي إلى محطة لتحلية مياه البحر تكلف 1.6 مليار دولار، وكانت الطريق هي ما تعرفون بتعبير يزمي الدبخشي أو الدبخشي الأرض فابور والماء فابور والريح فابور، وفوق هذا الدفاتر بلا تحملات وتضارب مصالح بلا ضرب ولا جرح وإعانات من الدولة تسيل اللعاب وتنس الوزير أنه وزير ولا يعود يتذكر إلا أنه رجل أعمال وبزنس رجل همزة ورجل ريع ، شعاره الله يجعل الغفلة بين الدولة ورئيس الحكومة خاصة إذا كان مكلفا بأعباء كثيرة وفوقها إعاده تربية الشعب كما يزعم هذه السياسة أيضا ، السياسة نماذج عدة عندما أحاول الحديث عن السياسة تتراءى أمامي نماذج عديدة وبعضها نماذج لا تنسى من الساسة والسياسيين كأنها كوميديا سوداء أو فيلم مليء بالمفاجات ، السياسة يضار جلها في الكواليس بألاعيب ومؤامرات وبإحتيالات وبدعاية و بالقانون و باللاقانون لكن أيضا السياسة في صلب حياتنا اليومية ، حتى عندما تقول أنت أنا لا أهتم بالسياسة فإن السياسة تهتم بك وبجيوبك و بخياراتك وحتى بجودة الإنترنت التي تشاهد من خلالها هذا البودكاست الأن هذا إذا كنت ما تزال تتابعنا طبعا ، في النهاية السياسة هي ظل الإنسان على الجغرافية بخيره بشره وهي مرأه تعكس تعقيدنا وضعفنا وتحولاتنا كبشر ولا كملائكة ولأننا لا نستطيع الهروب منها ربما يجب أن نحاول فهمها أن نناقشها أن نفك شفراتها وأن نساهم في تغييرها لتخدمنا عوض أن نخدمها لنروث السياسة مثل وحش بدل ان يفترسنا لا بديل إبقوا معي سأحكي لكم عن نموذجين من السياسة والسياسيين واحد سيجعلكم تصدمون والأخر ربما يجعلكم تستغربون وقد يذكركم أو لا يذكركم بما يجري حولكم وفي عالمكم .
يحكي رئيس الوزراء العراقي الأسبق ( إياد علاوي ) في حوار مع جريدة الشرق الأوسط نشر في 27/9/ 2023 عن أسلوب ( صدام حسين ) في قمع معارضيه ويقدم حادثة وقف عليها بنفسه أيام كان يعيش في العراق جاءته إمراة إنجليزية تقيم في بغداد ، تشكو إليه إختطاف زوجها العراقي من بيته ومن أمام أولاده وبعد تعريضه للضرب والإهانة والتعذيب أخذوه إلى مكان مجهول رغم أنه لا يعمل بالسياسة ولا علاقة له بأي طرف لا في السلطة ولا في المعارضة فسأل علاوي صدام حسين وكان أنذاك نائبا للرئيس ، الرئيس البكر عن حادث إختطاف هذا فرد عليه صدام بالقول يا دكتور كيف تريدنا أن نرهب الأعداء إذا فرد علاوي بالقول يا أخ أبوعدي هذا شخص ليس عدوا وأنتم أرعبتم شخصا بريء وأرعبتم أطفاله وزوجته بدون ذنب إرتكبه ، فماذا كان رد صدام رد بإبتسامته المعهودة بالقول أخي الدكتور إياد بهذا القلب الرقيق ما تمشي الثوره ولا تمشي السياسة ماذا كانت نهاية هذه الفلسفة في الحكم فلسفة الرعب وإخافة الناس في الأخير إنتهى الصدام مشنوقا بحبل عراقي وقرار أمريكي وفوضى لا مثيل لها في بلاد كان مظفر نواب يسميها بلاد ما بين النحرين عوض أن تكون بلاد ما بين النهرين ، صرخ واحد من أتباع مقتضى الصدر في وجه الصدام حسين وهو على أعتاب منصة الإعدام يتشفى فيه وفي مصير رئيسه السابق فقال له يا صدام إلى جهنم وبئس المصير فرد عليه صدام بهدوء عجيب بآخر جملة سياسية قالها ، قال جهنم هي التي تركتكم فيها ورائي وصدق قوله .
هذه الصورة من صور السياسة في العالم العربي الذي يتفرج اليوم على مآسي غزة التي لا وصف لها إلا أنها إباده جماعية لا مثيل لها إبادة تقتل أهل غزة الجائعين وتتركهم وتترك جثثهم الطاهرة طعاما للكلاب في الشوارع ، لكن هذه الحرب الظالمة تقتل أيضا إحترام الشعوب العربية لأنظمتها وسياسييها ونخبها وعجزهم عن الوقوف في وجه جنون نتنياهو المطلوب للإعتقال وجماعة المخبول الصهاينة المحيطين به ، وهذا هو الأخطر فيما يجري الأن صورة وصوتا وأنينا أمام أعين العالم كله .
لنواصل رواية الحكايات حيث نغوص في قصص غريبة ومثيرة ونلتقط العبر من أحداث تاريخية ومعاصرة قد تبدو مجنونة أحيانا لكن أليس الجنون أحد الأوجه اللصيقة بالحياة ، اليوم القصة تأخذنا إلى زمن الحرب العالمية الثانية تلك الحقبة التي كان فيها كل شيء على المحك الإنسان والأرض ، السماء والمستقبل وحتى النوم ، نعم النوم الحكاية ترجع إلى 1943 إبان الحرب العالمية الثانية تخيلوا معي الحرب مشتعلة في سماء لندن ، ( وينستون تشرتشل ) هذا الرجل دو سيجار شهير يقود معركة الحياة أو الموت ضد النازيين وأسلحتهم الجبارة وفكرهم المدمر والعنصري ، وسط هذا الجنون يظهر مواطن انجليزي عادي لكنه منزعج وسبب انزعاجه الطائرات الحربية الإنجليزية التي كانت تهبط وتقلع ليلا ونهارا قرب منزله ، يقول الرجل في شكاية رسمية لوزارة الدفاع البريطانية يا وزارة أنا إشتريت بيتا صغيرا قرب مطار صغير مدني هادئ ، لا أحد قال لي إن هذا المطار الصغير والذي تتوقف فيه الرحلات قبل غروب الشمس سيتحول لميدان حرب عالمي يمنعني من النوم أنا وأطفالي ، الطيران الإنجليزي بعد أن استهدف الجيش النازي مطارات العسكرية المعروفة توجه إلى إستعمال مطارات مدنية صغيرة ومتفرقة في كل البلاد للهروب من نيران طيران العدو، لكن وزير الدفاع لم يحسب الحساب لمواطن منزعج وغاضب وقلق على راحته فكيف ردت عليه حكومة وينستون تشرتشل ، كتب له وزير الدفاع رسالة دبلوماسية تقول عزيزي المواطن نأسف للإزعاج لكن بصراحة الدفاع عن بريطانيا ضد الغزو النازي أهم شوية من راحتك ، المواطن لم يقبل هذا الجواب صاحبنا الإنجليزي لم يقتنع فقرر أن يأخذ الأمر للمحكمة ، وصدقوا أو لا تصدقوا المحكمة حكمت لصالح المواطن في زمن الحرب ضد وزير الدفاع وضد الحكومة ، فماذا قال القاضي قال في حكمه الدفاع عن بريطانيا أمر نبيل لكن إحترام راحة المواطنين أثناء الحرب نبيل أيضا ، وقال في تبرير الحكم أقصد القاضي إستعمال مطار صغير أثناء الحرب أن الضرر الذي تسبب فيه الطيران الحربي لهذا المواطن قد لا يحتمل وأن الوزارة أي وزارة الدفاع لم تقدم ما يكفي من الأدلة للمحكمة على إستحالة استغنائها عن هذا المطار المدني في المجهود الحربي وأن الدفاع عن بريطانيا وإن كان هدفا عظيما وجليلا ومن واجب الجميع المساهمه فيه فإن ذلك يجب أن يتم في إحترام كامل لراحة المواطنين ما وسع الحكومة ذلك ، إستشاط وزير الدفاع غضبا وكاد ينفجر من (الفقصة ) وذهب راكدا الى تشرشل يشكو حكم المحكمة كيف نحارب إذا كانت المحاكم تكبل أيدينا ولا تفهم معنى الضرورات العسكرية يسأل وزير الحربية وهنا يظهر العبقري والحكيم والفكاهي في نفس الوقت وينستون تشيرشل بإبتسامة خفيفة ويقول لوزير دفاعه إهدأ إهدأ يا وزير العزيز كان يجب عليك أن تفرح بهذا الحكم الصادر عن القاضي ضدك لصالح المواطن ، فيرد الوزير مذهولا نفرح كيف نفرح بقرار يجعلنا عاجزين عن الدفاع عن بلدنا عن حكم يعري طيران الحربي أمام مقاتلات هتلر التي تقصف المملكة نهارا وليلا ، تشيرشل يجيبه بحكمة عميقة بقيت في كتب التاريخ وكتب الحرب العالمية الثانية ، إسمع يا وزير الحرب أن بلادا يحكم فيها قاض لصالح مواطن بسيط ضد الحكومة في زمن الحرب ، بلاد كهذه لن يهزمها هتلر ولن تكسرها أي قوى في العالم إنها واحدة من دروس إستقلال القضاء وعظمة سياسييه .
هذا بعد مما سنتحدث عنه و سنحكيه في الحلقات المقبلة ، فالصحفي بالتعريف وراوي قصص ومن يعيش يروي ، يقول التاريخ الإنثروبولوجي الحديث إن حاسة الحكي لدى الإنسان قديمة جدا متجذرا جدا وقد ولدت هذه الحاسة وقت تحلق أجدادنا الأوائل ليلا في الغابة حول النار خوفا من هجوم الحيوانات الضارية عليهم كانوا يدارون الخوف والقلق بالحكي .
فالحكي يلخص المعنى أفضل من أي شيء آخر والحكي مما يميز البشر عن غيره من المخلوقات لأن الحكي هو بشكل من الأشكال تدبير للقلق والحيرة ، وإلى حكي قادم إلى اللقاء في الأسبوع المقبل وفي إنتظار تعليقاتكم وأرائكم وأسئلتكم وحتى إقتراحاتكم ، أقول إذا أعجبك البرنامج فأنت تعرف ماذا تفعل لتصلك حلقاته كل أسبوع وإذا لم يعجبك هذا البرنامج فلن أقول لك ماذا تفعل لتتخلص منه ، فقط أقول لك تقاسمه مع أخرين ربما يعجبهم وتغيرأنت رأيك من يدري ، إلى اللقاء في الأسبوع المقبل .

في النهاية، السياسة ليست مجرد قرارات تتخذ في العواصم الكبرى، بل هي جزء لا يتجزأ من حياتنا اليومية، تؤثر في كل جانب من جوانب حياتنا. عبر هذا البودكاست يأمل توفيق بوعشرين أن يكون قد قدم لنا ولكم تحليلا أعمق للأحداث السياسية حولنا، وأن يكون قد نجح في فتح أبواب للنقاش وتبادل الأفكار.
تذكروا إن السياسة ليست مجرد شعارات أو وعد بل هي فهم، ووعي، ومشاركة حقيقية.

ورابط الفيديو للمزيد من المعطيات هو : https://www.youtube.com/watch?v=H5UXM_9vUHE

التعليقات مغلقة.