الشاعر ابن المكي القرشي نموذج متأخر للشاعر المجدد في شعر الملحون

الانتفاضة

أريد بهذا المقال الجديد أن أنبه إلى شيئين اثنيين أوليين :

الشيء الأول هو محاربة النظرات المريبة اتجاه ما أكتب ، فلست عدميا ، أو سلبيا وإنما أزن الحقائق بميازينها الفنية والفكرية ، ولم أشخص ، ولن أشخص إلا الأشياء الإيجابية ، وبالتالي سأثبت بالدليل أنني عندما أقول إن معظم شعراء الملحون في وقتنا هم مقلدون ، ومجترون ، فقولي ناتج عن بينة وتدبر وتذوق ، فالكثرة منهم يفتقدون للرؤية الذاتية المستقلة ، ولا يكتبون من وحي أفق خاص بهم ، ولا تكاد تميز صفاتهم الإبداعية فيما يكتبون مقارنة بما يُكتَب وما كُتِب من شعر .

الشيء الثاني مكمل للأول ، وأعني به أن شعر الملحون ليس ثابتا ، أو جامدا ، وهو يتطور ويتجدد على يد أناس وإن كانوا قليلين إلا أنهم يضيفون دائما ، وحاضرون ببصمتهم التي تدل عليهم ، ويجتهدون في فتح نوافذ جديدة للقول في فن الملحون ، وهذا هو المطلوب منهم ، والمرجو من كل شاعر .

الشاعر المكي ابن القرشي رحمه الله واحد من أولئك المجددين المتأخرين في شعر الملحون ، ونستطيع أن نستدل على قولنا بمجموعة من المعطيات الفكرية والفنية ولكن سأحاول جمع كل الأدلة في بعدين أساسيين هما :

البعد الأول هو ماقيل عن الشاعر المكي ابن القرشي من طرف الدارسين النزهاء ، ذوي الاطلاع الواسع على شعر الملحون ، وفي مقدمتهم هنا صاحب المعلمة الأستاذ محمد الفاسي رحمه الله ، وما قاله فيه يمكن تلخيصه في إشارتين كبيرتين هما :

أولا : إشارة التراكم والتنوع : أحصى له هنا أزيد من عشرين قصيدة طويلة في مختلف الأغراض والمواضيع ، يغلب عليها طابع القصص ، وتتنوع إلى العشاقي والمديح والتصليات ، والجفريات والهجاء ، والخصام……وفي كل نوع هناك تعدد كما هو الحال في العشاقي الذي ساق له فيه قصيدتان : قصيدة : رحمة ، وقصيدة الحراز ، ومثل ذلك فعله في موضوع ( لخلوق ) بين لخلوق بمعنى المولد النبوي ، وآخر بمعنى ( خلوق ) مولاي عبد القادر الجيلالي .

ثانيا : أشارة التخصص في فن الحكي والقص : من المعلوم أن فن الحكي والقصص يتطلب تصورا وتخيلا وبناء يتماشى مع الموضوع المطروق ، كما يستدعي قوة وصفاء المشاهد التي تتكون منها كل قصة ، والأكثر أنه يستند على ذات المبدع في دواخلها وحرارتها ، وقوة الإبداع ، وتمكنها من وسائله وأساليبه ، ومقدرتها على الابتكار وإيجاد الملائم الفني والفكري لموضوع إبداعها ، مَن توفرت فيه مثل هذه الشروط الإبداعية لا يمكن أن يكون مقلدا حتى في المواضيع العامة والمشاعة بين المبدعين كما هو حال ابن القرشي رحمه الله ، يقول عنه محمد دلال الحسيكة في الصفحة : 190 من الجزء الرابع من مخطوطه مقارنا بين صيغ قصائد الحراز لدى مجموعة من شعراء الملحون : ( …. إن شعراء الملحون يتجرءون في حراريزهم حيث يكون الحراز متزوجا ، ويأتي العاشق يتربص في الأشكال المخدوعة حتى يظفر بها غير أن الشيخ المكي يقول في حرارزه على المعشوقة أنا بنت 12 العام عندها فعمرها ، عندي كبرا فالعشرا ، ولا تصيب عني صبرا ، حتى جا الحراز مطور فالبلاد ، باعوها لو حساد ، كايحسدوني فهلال العياد ، وعمل عنها لرصاد….).

وأورد له مجموعة من القصائد مثل : قصيدة خصام الصينية والبقراج والبابور والبراد والكيسان وأتاي السكر ، وقصيدة خصام الجواري التي أوعزها إلى ألف ليلة وليلة ، وحراز عويشة، وقصة سيدنا يوسف عليه السلام وغيرها .

وعندي أن الشاعر المكي بن القرشي مجدد كبير في شعر الملحون ، وتجديده يرتكز على الأسس التالية :

1 – إنه صاحب طريقة فكرية وفنية في النظم ، اختارها لنفسه ، وطورها من خلال شعره ، واستطاع أن يبرع فيها في جميع قصائده ، فكلما ذكر شاعرنا ذكرت معه صفاته الإبداعية ، وهذا قليل نادر في عصرنا .

2 – تَشَارَكَ مع كل الشعراء في الطابع العام لشعر الملحون ولكنه انفرد بموهبة وطريقة تميزه عن الآخرين ، ودافع عنها في شعره ، مما أَهَّلَه لدرجة التَمَكُّنِ من الهُوِية الإبداعية المطلوبة من كل مبدع حقيقي بمميزاتها المتعددة والمختلفة باستمرار المسار الإبداعي .

3 – كانت له مستنداته الخاصة من جهة الفكر والفن والرؤية المتحكمة في بناء قصائده على طراز يفرده ويميزه كما قلت ، ويكفي أن أشير هنا إلى اتكائه على مفهوم ( الخصام ) وتصريفة بحكمة وبراعة كبيرة للتطرق إلى مشاكل المجتمع بمنوال يغلب عليها التفكه ، وروح المداعبة المفيدة ، وهذا تتبع جميل ، حصل منه ، وساعده على مواكبة الحياة بضغوطها وقضاياها المتنوعة ، وقاده حدسه إلى رَصِّ مجموعة من النتائج ، وإشاعةِ حلول لمشاكل المجتمع بلمسات طافحة بالقيم الإنسانية المبتغاة ، فقصيدة ( خصام الجواري ) على سبيل المثال لم تكن حقيقية كما نطالعها ، وإنما كانت من وحي الابتكار والخيال الوقاد ، تعالج اختلاف الأذواق في موضوع شائك جدا هو موضوع جمال المرأة ، وبذلك خالف معظم ، إن لم أقل كل شعراء الملحون في نظرتهم للمرأة حين حصروها في زاوية العشق ، وتسابقوا لوصف محاسنها الجسدية ، ومع شاعرنا تغيرت تلك الصيغة المتكررة ، وجيء بهدف جديد ، تبلور في السعي للقضاء على الفهوم السطحية لمعنى المرأة وجمالها ، والإرشاد بأن لها بواطن خفية ، وقواعد ومميزات تستوعب جميع الأشكال والألوان ، وتختلف من شخص إلى آخر ، وسأثبت منها مطالع كل لون تحدث عنه الشاعر لنظهر للقارئ المغزى من وراء هذه القصيدة في بعدها القصصي الواقعي ، وعلى مستوى تداعيات التمثل والخيال بغية إشاعة معالجات وفهومات اجتماعية ومجتمعية مقترحة من لدن الشاعر ببناء فكري وفني غاية في الإدراك والجمال ، يقول على لسان المرأة البيضاء :

قالت البيضا يا الكحلا
أنا لالاك ابزيني لفخيم
فضلني مولانا يا السفلا
الله في كتاب قال اللكليم
تخرج بيضاء ونت غي كحلا
لونك كايشبه الليل المظلم……

ويقول على لسان المرأة السوداء :

قالت الكحلا يا البيضا
علاش كا تكذبي لوني دُكَّار
سمعي لعيوبك ياخفيضا
بيضا وناقصا قالوها لحرار
ونكرتي قول الله يا بغيضا
الله قال الليل اسبيق النهار…

ويقول على لسان المرأة الصفراء :

قالت الصفرا يا السمرا
لونك تايشبه لون الكموس
أنا لوني مدكور على البقرا
نعجب فالنظر ونزهي لنفوس
ونتيا اسمرت اللون غير غُرَّا
من كل لون فيك الونك منقوس…

ويقول على لسان المرأة السمينة :

قالت لغليظا يا رفيقا
شفي اقوايمك أعود البرقوق
شفي ساقك كا عود الخريفا
داتك غير سلا والجلد الفوق
شفي داتي لمنعما اخفيفا
بالغلط والسمنا لصحاب الذوق……

ويقول على لسان المرأة الرقيقة :

قالت الرقيقا للغليضا
سمعي نقول لك أكرعا فشريط
ونت كيف الغولى اعريضا
ونا غزيلا يا قوتا في خيط
لغليضا ديما امريضا
ولي يما يمازحك اتطحي كالحيط.

أريد أن أضيف قليلا من الملاحظات التي عنت لي قبل الختم :

الملاحظة الأول تشير إلى التكافؤ العجيب على نسق كم الكلمات ، وأشكال الأبنية الملاحظة في كل قسم ومقطع .

الملاحظة الثانية تقول إن ذلك التكافؤ مس حتى مصادر المعاني المتداولة في كل سياق ، فالمرأة البيضاء استندت على قيمة البياض ببياض يد سيدنا موسى عليه السلام ، وهو معجزة كما تدل عليه الآية 22 من سورة طه : ( وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَىٰ جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَىٰ ) .

أما المرأة الصفراء فقد استندت على لون بقرة بني إسرائيل ذات اللون الأصفر الفاقع لتمجيد لونها الأصفر ، يقول الله تعالى في الآية : 69 من سورة البقرة : ( قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا ۚ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ ) .

ومثل هذه الاستشهادات والاستعمالات القوية في دلالتها على المواقف المتناقضة كما ورد ذلك في قصيدة الخصام ترغمنا على إعادة التفكير والكلام في مفهوم الأمية لدى شعراء الملحون ، وهو ما سأخصص له إن شاء الله مقالا مستقبليا لجمع الموضوع من جوانبه الممكنة .

الملاحظة الثالثة تختص بالرؤية الذاتية الواضحة والمتحكمة في نفسية ونَفَسِ الشاعر الفكري والفني ، فقد ظل على عهده في جل أشعاره ، ولعل طبيعة عمله حين تعاطى إلى فن الحلقة أسعفه على البروز في القالب المذكور ، وساعده على التخصص بتنوع واجتهاد لافتين للانتباه ، ومكنه من فرص لنقل ما كان يطفو على سطح المجتمع المغربي من مشاكل وتناقضات ، وتحويلها إلى مفاكهات وبناء قيم جديدة للمجتمع المنشود من طرفه ، وتلك رسالة المبدع العميقة ، تكمن في نشدان الإصلاح ، والمحافظة على قواعد الإبداع مع تجويد الرؤى والتدابير التعبيرية الضرورية لأي تجديد وتطوير مقبول وإيجابي في كل تجلياته ووسائله وأساليبه .

الأستاذ الجامعي الدكتور مولاي علي الخاميري  – مراكش

التعليقات مغلقة.