شعر الملحون بين القراءة التقنية والقراءة الموضوعية

الانتفاضة/ د. مولاي علي الخاميري

القراءة التقنية هي كل قراءة وقفت عند حدود تقديم المادة المدروسة في ذاتها ، وفي عناصرها المتصفة والمتصلة بها ، أي لا تتعدى المعطيات المرئية والملموسة داخل النصوص وبطريقة يغلب عليها التمييز ما بين كل مستوى وآخر بغير ربط فيما بين عناصرها لتبيان مقدار التجانس والتفاعل والتعاضد ، وكيفية إنناج المعاني ، وتدرج بنائها بحسب المقامات والمآلات ، ومثل هذا مفيد في كل بداية ولكنه غير نافع إلا للمبتدئين الذين لا يتخطون حدود الاكتشاف الأولي ، والتصنيف المرافق له ، أو الناتج عنه ، ولا يستطيعون تجاوزهما لأسباب عديدة ، قد تأتي متفرقة ، أو مجتمعة فيهم ، مثل قِصَر مَدَى مواهبهم ، وضِيقِ أفقهم ، وقلة زادهم ، وانعدام الرؤى الفكرية المتحكمة في معاني القراءة والمعرفة لديهم ، والمحركة لهممهم .

وعلى العكس فالقراءة الموضوعية أو الفكرية هي بمثابة مشرحة للنصوص ، صحيح أنها تنطلق من القراءة التقنية ولكنها تتخطاها بعد أن تتبين أهدافها ، وتنطلق برؤيتها المستقلة لتفتح ممرات جديدة ، وَتَمَدُّدَاتٍ مُمكِنة للنص الإبداعي بالتركيز على مفاهيم ذاتية وفكرية ، تقوم على مفاهيم التفكيك والبناء ، والتتبع والاستنتاج ، والتوجيه المراد الذي لا يتنافى مع معطيات النص ، ولا مع حقائق الإبداع الأصيلة ، ويتم كل هذا وفق قضايا الفكر المطروحة في النصوص ، وفي الزمن الإبداعي الطويل العام والخاص ، وبذلك نصل إلى درجة الكشف عن مشروع أي تجربة بطريقة كلية ومتكاملة ومتميزة في ذاتها ، وضمن التجارب الإبداعية السابقة والمتلاحقة عبر بيان المضامين ومتعلقاتها الخاصة بكل تجربة ، وإذ ذاك تتكون التجربة ، ونتعرف عليها بأوصافها الداخلية والخارجية ، وإذا ما استمرت بوعيها المتجسد فيها سترتقي ، وتكتسب أبعادها الثقافية الدفينة فيها التي تهبها صفات التفرد والمشروعية ، والقَابِلِية للحياة ، والعيش والبقاء ، ويُعتَمَد عليها في الأحكام النهائية المُجَلِّيَة لحقائقها المختلفة .

معظم الدراسات المنجزة لحد الآن في شعر الملحون هي من قبيل الصنف الأول ، وهو وضع سليم وصحيح على اعتبار أننا لا زلنا في البداية ، ولا زلنا مغمورين نظرا لقصر زمن الدراسات ، وطبيعة الشعر المذكور التي لم تنقض فصول جمعه ، ولم يتم الوصول به إلى نسخة معتمدة ، ومتداولة ، وقابلة للأخذ والاعتبار بمنطق الأسس العلمية المستعملة في القراءات التقنية لحد الآن .

شعر الملحون في مشواره الزمني يشبه كل المعارف الإنسانية ، ويشبه حياة الإنسان نفسه ، فلا بد في تكوينها من أن تجتاز مراحل الاكتشاف أولا ، ثم تأتي محاولة التعرف المبتدئة بالمكونات العامة لتنتقل الدراسة بعد ذلك إلى سُلَّمِ الصعود حتى تصير خاصة ، وفي كل ذلك لا بد من المرور بأحوال الضعف والنضج ، ثم نصل إلى الاكتمال في النهاية .

ما يُخشى منه في مثل قصيدة الملحون هو أن يطول زمن القراءات التقنية ، ويُكتَفَى بها ، وتُعتَبر هي الغاية ، وتصبح من مفاخر كل دارس وباحث ، وهذا ما جعل مجموعة من أعمال بعض المثقفين الكبار غير مكتملة ، وغير دالة على منسوب معارفهم المرتفع .

لقد سبق لي أن أشرت إلى أن مجهودات الخليل بن أحمد الفراهيدي رحمه الله ، وهو مَن هو في المعرفة بالشعر العربي الفصيح لم تنصفه ، ولم تدل عليه بصفة التميز والعبقرية الثابتة فيه ، وفي علمه الغزير ، وما أنجزه يعد عظيما ولكنه لا يتعدى حدود القراءة التقنية للشعر الفصيح على خلاف زملاء آخرين له في الميدان ، ربما يكونون أقل منه معرفة ولكنهم برعوا على مستوى القراءات الفكرية ، ولا وجه للمقارنة بين ما أنجزه الفراهيدي وما حَبَّرَه ابن سلام الجمحي ، أو ابن قتيبة ، والجاحظ ، وابن جني على سبيل المثال .

مثل هذا الوضع ينطبق على الشيخ أحمد سهوم رحمه الله في مجال الملحون ، فقد كان ذا شأو وشأن كبيرين بخبايا ثقافة شعر الملحون ، ومع ذلك لم يستطع أن يتجاوز حدود ما هو تقني وعام في إنتاجاته العلمية .

ولا زلت أتذكر أنني كنت أحمل سؤالا مُحَيِّرا داخل نفسي ، يتمحور حول عدم قدرة سهوم على الخوض في المسائل الشائكة لقصيدة الملحون ، وفي مقدمتها ما يتعلق بإيقاع قصيدة الملحون ، وكان الأمل فيه قويا وواسعا لفك مجموعة من الرموز ، وحَلِّ قضايا المعضلات المطروحة نظرا لمعرفته العالية بشعر الملحون .

لي تفسير واحد لما وقع لأحمد سهوم وهو أن معرفته بالملحون بالرغم من متانتها وشساعتها قد ساعدته على أن يصبح شاعرا فذا ، ومبدعا فحلا ، ولم تسعفه بأن يتخطى المعطى التقني في أعماله ومنجزاته العلمية ذات المنحى البحثي ، ومن يقرأ كتابه ( الملحون المغربي…. ) فسيقف على ما ذكرته وبدلائل قوية وواضحة ، وسيرى الرجل متقهقرا إلى الوراء مقارنة بما أنجزه غيره من أصحاب المؤلفات التقنية .

يمكن أن أبني على ما سبق حول سهوم حقيقة ثانية وجديدة ، تشير إلى أن بعض شعراء الملحون يكتفون بالمعرفة العامة لقصيدة الملحون بصفة كلية ، أو جزئية ، ويتظاهرون بأنهم أصبحوا من آلهة المعبد ، والأمر على عكس هذا التصور لسببين متكاملين :

السبب الأول أننا إذا عدنا إلى الشعر الفصيح فسنلاحظ أن أكثرية شعرائه كانوا مبدعين ولم يكونوا نقادا ، أو علماء ، فالمتنبي وابن الرومي وأبوتمام وامرؤ القيس وطرفة وشوقي وحافظ والبياتي ونزار…….وغيرهم كانوا ينعتون بعمالقة الشعر ، ولم يكونوا علماء مؤهلين للتنظير ، وفك الرموز ، وإقامة القواعد ، والوصول إلى الخلاصات والاستنتاجات .

السبب الثاني يخص شعراء الملحون ، فبعضهم يملك معرفة معتبرة بقواعد قصيدة الملحون إلا أن ذلك لم يؤهلهم جميعا لأن يصبحوا مجتهدين بمعنى تميز الذات والتجربة الإبداعية لديهم ، وإحداث التجديد والتطوير المطلوب ، فجلهم قد غاصوا في بِرْكَة التقليد ، وتزاحموا فيها حتى اختلطت على القارئ والمتتبع صفاتهم وأشكالهم الإبداعية ، وأضحى الاستقلال الواجب في كل تجربة إبداعية مفقودا بقواعد محددة وفاصلة عن الآخر الماضي ، أو الآخر الحي بيننا .

شخصيا كان أملي في الشاعر أحمد بدناوي رحمه الله قويا ، لأن تجربته كانت ذاتية بكل ما لهذه الكلمة من معنى ، وكانت ثقافته الواسعة والمنفتحة متجذرة في أعماله الإبداعية ، وتنظيراته لقصيدة الملحون ، ولهذا كان فقده مصيبة كبيرة ، وخسارة فادحة لشعر الملحون ، وأهله ، وليس هذا قنوطا ، أو رفضا لحكمة وحِكَم الأقدار الإلهية ، وإنما هو وصف لما وقع على أرض الواقع ، وما تَجَلَّى على النفوس من خيبة واضطراب .

ومن باب الأمل كذلك ، واعتبارا بقواعد الحياة التي تدور بدوران الملكوت نرجو الخَلَف في المستقبل القريب ، وسيحدث ذلك بإذن الله ونحن واثقون بأن شعر الملحون لن يبقى يتيما مهجورا ، وضعيفا ، بل سَتُهَيَّأُ له الظروف لكي ينطلق من جديد ، وسيواصل مسيرتَه الإبداعية ، وحضورَه الوجداني والفكري الوازن ، وسيُبعث من جديد على يد شعراء وقراء وباحثين من الطراز العالي اللائق به ، وسيُفسَح فيه للنقد الفكري المُؤَسَّس على منهجية الكشف والتحليل والاستنتاج ، فليست له طرق أخرى للتقدم والتجديد سوى هذا السبيل المتناغم والمتجانس في تفاعله لكي تهب له الحياة ، ويظفر بمكانته العليا التي يستحقها ضمن صنوف الإبداع المختلفة بمعناها الإنساني العام .

أستاذ جامعي – مراكش 

التعليقات مغلقة.