هكذا فاوض الراحل محمد بوستة الحماية الفرنسية من اجل استقلال الوطن

الانتفاضة // سيدي محمد الناصري

الفتى المفاوض من أجل قضية وطنية عظمى، لا يمكن إلا أن يكون أهلا لهذه المسؤولية المصيرية التي تهم مخرجاتها مستقبل دولة بكاملها، و أن يكون عارفا بالشؤون القانونية و السياسية و أن يكون متحدثا بارعا باللغة الفرنسية، و أن يكون على بينة من عقلية و كيفية تفكير من يتكلمون بها، خصوصا و أن الطرف الثاني في المفاوضات كان هو رئيس الحكومة الفرنسية الجديد ”إدغارد فور” (مارس1955) الذي جاء بعد وقائع كثيرة من ضمنها إقالة الجنرال كيوم، و بداية صفاء الأجواء السياسية بين المغرب و فرنسا، فـ”كان بعض المتنورين الفرنسيين يعملون بجد لفتح باب الحوار من أجل معالجة قضيتين هامتين: قضية العرش التي تعقدت بعد نفي محمد بن يوسف، و قضية إنشاء علاقات جديدة تعوض العلاقات السيئة التي جمعت البلدين طيلة فتـرة الحماية (43 سنة)”، فكان على مَحمد بوستة، الذي نصبته اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال الى جانب رفيق الدرب عبد الرحيم بوعبيد على رأس الوفد الذي سيباشر المفاوضات، أن يكون واعيا بالقضية الوطنية و أن يكون ملما بجميع أطوارها.
فكيف لا، و أن الوعي الوطني بدأ عند الفتى منذ يفاعته، و هو يساهم في تظاهرة صاخبة في مراكش مستنكرا، شأنه شأن شباب آخرين بمدن أخرى، استمرار الاستعمار الفرنسي في سياسة الابتـزاز ضد مصالح الطبقة العاملة الفلاحية، و ذلك على إثر أحداث مصادرة مياه واد بوفكرن لصالح أراضي المعمرين على حساب صغار الفلاحين بمدينة مكناس.
و كيف لا، و أن الفتى قد سمحت له الظروف، أن يتعرف في فاس على شخصيتين وطنيتين بارزتين، و ذلك قبل نفيهما الى أدغال إفريقيا (أكتوبر 1937)، و يتعلق الأمر بعلال الفاسي و محمد غازي، و لِما كان لذلك من وقع على نفسيته؛ ثم حضوره كذلك لسياق و مجريات توقيع وثيقة المطالبة بالاستقلال (يناير 1944) كمحطة رئيسية في تاريخ الكفاح الوطني من أجل الحرية و الانعتاق من جور الاستعمار؛ رجة تلوى الأخرى، جعلت وعيه بالقضية يستمر نضجا و إيمانا، و لعل صدمة مَحمد بوستة الكبرى، هي اعتقال”السلطان و ولي عهده و أفراد من عائلته ليلة عيد الأضحى (غشت 1953) و تم نفيهم على التو الى جزيرة كورسيكا، قبل نفيهم الى مدغشقر المستقر الأخير…”
و كيف لا يفاوض، و هو العارف بمكانزمات الحوار و المتمكن من لغة موليير، ففي جامعة السوربون بمدينة باريس، حيث تصارع الأفكار التقدمية، حصل على الإجازة، و موازاة مع ذلك انتظم الى جانب زملائه المغاربة في إطار فرع لحزب الاستقلال، ليتعرف على عبد الرحيم بوعبيد و يشتغلان معا برفقة مَحمد الدويري على تكثيل الطلبة المغاربة و إعلامهم بمبادئ و توجهات الحركة الوطنية؛ و أكثر من ذلك، فحتى حينما كان مَحمد بوستة تلميذا بثانوية مولاي إدريس بفاس انتظم الى جانب زملائه التلاميذ”في فريق مصغر يشتغل بالدراسة و التحصيل، معظم التلاميذ كانوا يساعدون تلاميذ الصفوف التحتية في المراحل الابتدائية أو الثانوية… لتحفيزهم على تحصيل الدروس و الفوز بأعلى الرتب عند الامتحان… و تشتغل الجماعة أيضا في التكوين الوطني و السياسي، على قدر مستوى تلاميذ كل فصل، بهدف مساعدتهم على تتبع التطورات السياسية في المغرب، و لذلك لا غرابة في أن توفر هذه الثانوية مجموعة من الفاعلين الذين وقعوا على وثيقة المطالبة بالاستقلال بعد ذلك بسنوات”
و مع تقدم المفاوضات، ما كان على الرئيس الجديد إدغارد فور و فريقه، أمام ”المقاومة المسلحة، التي اتسعت دائرة نشاطها و أصبحت تعمل بصورة أكثر حدة، منذ نفي محمد بن يوسف و قرار القضاء على حزب الاستقلال”، و أمام خوفه من سقوط ثانٍ لحكومته، نظرا لهشاشة أغلبيته في الجمعية الوطنية خصوصا و أن حكومته الأولى، التي ترأسها منذ سنتين، لم تدم إلا شهرا وحدا، و أمام مفاوضين مواكبين من طينة بوستة و بوعبيد، ما كان عليه إلا أن يتراجع عن الإبقاء على محمد بن عرفة على عرش البلاد، و أن يجد طريقة لإخراج المغرب من عهد الحماية الى عهد الاستقلال المتداخل حسب تفكيره،”لكن الثنائي الاستقلالي… كان في المواجهة و كان الجواب الصارم: رجوع محمد بن يوسف الى عرشه أولا، و الاستقلال التام ثانيا، و لا شيء غير ذلك”.
* ”الماهدون الخالدون“، فصل ”مَحمد بوستة… الدبلوماسي الحكيم” لعبد الكريم غلاب.

التعليقات مغلقة.