الانتفاضة // د . مولاي علي الخاميري // أستاذ جامعي – مراكش
شاع القول إن شعر الملحون هو ديوان المغاربة ، أو جزء مهم من ديوان المغاربة على اعتبار التنوع التراثي الفكري والفني لمفهوم المغرب الثقافي ، وأنه من إنتاج فئة من بين أوصافها المتكررة أنها ذات ثقافة هشة ، أو متواضعة ، ومع ذلك يصاب القراء بدهشة عجيبة عندما يقرءون متون الشعر المذكور ، ولعل ذلك من المفاتيح الأولى التي يمكن أن نفهم بها معنى الخصوصية في شعر الملحون وعلى مستوى كل المواضيع والأغراض .
شاعر الملحون يشكل استثناء في وجوده وبثقافته ، وفي ضروب إبداعه ، فلا مناص إذاً من انتقال ذلك الاستثناء إلى شعره .
يمكن على الأقل أن نقسم مفهوم الخصوصية في شعر الملحون إلى قسمين كبيرين :
قسم عام ، تفرضه موهبة وقواعد الإبداع المطلقة ، وهذا لا شأن لنا به الآن ، لأنه متاح في كل أنواع الإبداع الإنساني المتوارثة ما بين الأجيال .
ثم القسم الثاني وهو خاص ، بمعنى ما يمس ويُستفاد من شعر الملحون وطبوعه ، ومسيرته الزمنية القائمة لحد الآن ، فقد شَرَّع لنفسه مجموعة من القواعد على صعيد مناحي الكلام ، وتضع شروطا دقيقة لكيفية البناء الفكري والفني للقصيدة ، ولكيفية الاجتهاد الذاتي لكل شاعر من شعراء حضيرة الملحون .
ذلك الشعر هو الوحيد من بين كل أنواع الإبداع الذي تكون ، وعاش ، وانتشر وفق قواعده ومصطلحاته المّدَبَّجة وما أكثر عددَها وتنوعَها ووظائفها المتغيرة ما بين كل منطقة ملحونية وأخرى ، وما بين شاعر وآخر ، فمدحه هو مدح بُنِي وفق تلك النظرة المتحكمة ، وعشقُه يطول وتتجدد قوالبه تحت تأثير قواعد عامة وخاصة ، ووصفه يلتصق بواقع الشاعر البسيط ، ويُحلِّق معه في الأرجاء ، وعموم قصيده تتجلى فيه بصمة البيئة التي صدر عنها وبكل التفاصيل ، وحتى إدراكُه الإيجابي لا يمكن أن يطاوعك إذا اقتصرت فيه على شروط الإبداع بمفهومه العام ، فلا بد أن تمتلك خلفية أولى ، تقترب من معنى الفطرة ، تصلك به ، ثم بعد ذلك تأتي الأشياء المشتركة في باب العلم والمعرفة ، ولهذا قَلَّ جمهوره ، وضاق رواجه بين المثقفين لعقود ، وانحسر الاهتمام به ، فوضعه الخاص ، وانتسابه لفئات المجتمع الهشة تجعل الأعين تزيغ عنه تجبرا وجهلا ، إذ لو تحكمت النظرة المتزنة التي تبحث وتقرأ النصوص من دواخلها ، وتتعرف على مكوناتها الفكرية والفنية لتغير الوضع ، واستبدلت تلك النظرة النمطية المنتشرة بسلبياتها على مدى الأجيال ، وفي وسط أهل العلم والثقافة للأسف الشديد بنظرة أخرى إيجابية ومنصفة وعارفة ومعترفة بفوائد شعر الملحون ، ومُتَعِه المتعددة والمتنوعة ، وأهمية وجوده ، وأدواره الحياتية المحسوبة عليه .
هناك صحوة الآن لا زالت في بدايتها عند الأكاديميين اتجاه شعر الملحون ، وهي مُرحب بها ، وستستفيد وتفيد بشرط أن لا تتكئ كلية على القواعد الأكاديمية وهي تطالع وتقرأ وتبحث في شعر الملحون ، فالأغلبية مما كتب لحد الآن بالنفَس الأكاديمي يحتاج إلى مراجعة ووقفة متأنية تخوض في المعايير والمفاهيم والنتائج المتحققة ، وإلا سنجني على شعر الملحون جنايات قاسية ، وسندخله في متاهات معقدة ، بساطتُه وعمقُه وخصوصياتُه بريئة منها ، وتتنافى معها .
على سبيل المثال جل الدراسات المنجزة في مجال التصوف داخل الملحون إما أن تَغرَق في إسقاط المقولات الكبرى المعروفة والمتداولة بين أهل التصوف على الملحون وبتعسف يصبح شعر الملحون معها خاضعا لتمقتضيات تلك المقولات المجلوبة من الشرق والغرب ، وإما أن تجرد شعراء الملحون من بشريتهم ، فكل تغزل يقصد به مكة ، وكل اسم يعني فاطمة الزهراء ، وهذا خطأ جسيم يتناقض مع مفهوم البساطة والعفوية في التفكير والتعبير الذي يوصف به الشعر والشعراء .
حبذا لو قَدَّمنا قراءة النصوص على كل قواعد المواضيع المطروقة والمتعارَف عليها ، وتتبعنا سياقاتها بإنصات وفهم ، وتركناها تتكلم بنبضها المُشَكِّل لهويتها ، ووقفنا عند حدود مدلولاتها لكان ذلك مفيدا بالنظرة المتحكمة ، وجميلا بسلامة مبادئ القراءة المعتمدة والمرجوة ، ثم بعد ذلك نوسع على قدر الإمكان ، وعن طريق المقارنات المككنة والمتجانسة مع مفاهيم شعر الملحون .
إن أفضل ما يميز نصوص شعر الملحون أنها نصوص مفتوحة ، ومُحكَمَة ، وناضجة ، ودالة بنفسها على نفسها ، لها قوانينها المنبثقة من بنياتها الفكرية والفنية ، ومن يقرأ ويبحث على هذا المنوال فسيحصل على مبتغاه كما يريده ، وفي احترام تام لقواعد ذلك الشعر .
موضوع المرأة في شعر الملحون لا يمكن أن نفهمه إلا إذا استحضرنا أوضاعها الاجتماعية والثقافية في كل عصور الشعراء ، واحترمنا دلالتها الكبرى على العلاقة الحميمية التي تجمع ما بين الرجل والمرأة في المقام الأول ، وانتقلنا بعد ذلك للرمزيات المتداولة والدالة على معنى وجودها الجسدي والفكري ، هذا هو المنطلق السليم الجامع ما بين مفهوم البساطة والمضامين ، وما بين مختلف الاستنتاجات المؤسسة على قواعد علمية منسجمة مع المحتوى ، وغير مفروضة عليه بتَعَالٍ أكاديمي لا يحسن حتى قراءة ، أو سرد القصيدة إن طُلِب منه ذلك ، ولا يعرف معجمها وتركيبها ، وكنهها البنائي المترامي على كل الجنبات ، وما قيل عن موضوع المرأة يقال على ما تبقى من المواضيع الأخرى .
السياق الأكاديمي في الأغلب الأعم في شعر الملحون انطلق معوجا ، يفتقد للخلفيات الذاتية الأساسية لتأسيس الروابط الضرورية المُعِينة على الدخول لرحاب شعر الملحون ، وللأسف بعض المشتغلين انبهروا بصفة الأكاديمي ، وارتكنوا إليها بلا فرز ولا تمحيص ، ورهنوا أنفسهم لها ، وبنوا عليها آمالا عريضة لنفض ما علق به من تقييمات سلبية من طرف عموم المثقفين ، بل إن هناك جمعيات تأسست بدافع التوجه مباشرة إلى الطبقة المثقفة ، ومخاطبتها ، والتودد إليها لعلها تنخرط في الحديث والبحث في شعر الملحون ، فبنت شياجا على نفسها ، وحرمت البسطاء ممن كانت لهم خبرة صحيحة وأصيلة بشعر الملحون من الانتماء والتقرب منها ، ولم تحصل في الأخير على أي نتيجة تذكر .
المحاولات المصروفة في شعر الملحون على صعيد الجمع والبحث في زمننا كلها ضرورية ، ونحتاج إليها ، ونتمنى أن تكثر وتتكاثف ، وتبنى على شروط العلم التي تساعد على الإضاءة ، وتقديم نصوص ذلك الشعر وفق مراد شعرائه وقواعده ، وأن تكون لنا القدرة على بناء قوانين بحثية مستوحاة من حضيرة شعر الملحون ، ومتوفرة على نسقها العلمي الأكاديمي ذي الخلفيات الذاتية والفكرية الواضحة ، بلا تعال كما قلت ، ولا غلو ، ولا انبهار يجني على تلك النصوص ، ويجعلها خادمة ومنبطحة أمام قواعد خارجة عن سياقها ، ولا تلبي إلا نَزَقِية الباحثين الدخلاء والمتخيلين ، والجهلاء بأبجدية خصوصيات شعر الملحون ، فهي المفتاح والأصل لكل جهد أكاديمي بَنَّاء ومفيد .
التعليقات مغلقة.