الانتفاضة//الحجوي محمد
مع اقتراب عيد الأضحى المبارك، تتصاعد في الأسواق الشعبية وأسواق المواشي موجة غضب عارمة، ليس بسبب ندرة الأضاحي كما يُروج البعض، بل بسبب جشع “الشناقة” أو السماسرة الذين تحولوا إلى آلة لاستنزاف جيوب المواطنين وابتلاع أرباح الفلاحين. فالمواطن البسيط الذي يدخر طوال العام ليشتري أضحية تعينه على أداء شعيرة دينية، يفاجأ بأسعار خيالية لا تمت للواقع بصلة، بينما يقف الفلاح الذي أمضى لياليه ساهراً على رعاية الماشية وتوفير العلف، متفرجاً عاجزاً على أرباح تضيع من بين يديه لتستقر في جيوب وسطاء لا قيمة مضافة لهم سوى المضاربة.
هذا المشهد يتكرر كل عام مع حلول عيد الأضحى، وكأن السوق يخضع لقانون الغاب. فالسمسار يشتري الخروف من الفلاح بثمن متواضع بحجة “التسريع في البيع” أو “تحمل عناء النقل”، ثم يعيد بيعه بعد ساعات إلى مواطن آخر بزيادة تتراوح بين 30 و50 في المائة، وأحياناً أكثر. والمفارقة أن الأغنام تكون متوفرة بكثرة في الأسواق، لكن كثرة تداولها بين أيدي السماسرة يجعل سعرها يقفز قفزاً مع كل وسيط جديد، ليصل الثمن النهائي إلى مستويات تعجز الكثير من الأسر عن تحملها.
وهنا يطرح السؤال نفسه: لمَ لا تتدخل الدولة لفرض ضرائب عادلة على هؤلاء السماسرة؟ ضرائب تكون رادعة بحجم أرباحهم الطائلة، وتعيد التوازن إلى السوق الذي اختلّت آلياته. ففي العديد من الدول، تخضع هوامش الربح في الأسواق الموسمية لرقابة ضريبية صارمة تمنع الاحتكار وتحد من وساطة غير المنتجين. ويمكن توجيه عائدات هذه الضرائب إلى دعم الفلاحين بشكل مباشر، عبر تخفيف أعباء الأعلاف أو تقديم إعانات تشجيعية للتربية، مما يخفض التكلفة الإجمالية للإنتاج وينعكس إيجاباً على الأسعار النهائية.
المواطن اليوم لم يعد يطمح إلى مجانية الأضاحي، بل يطلب فقط عدالة في التسعير، وأن لا يكون فريسة سهلة بين أيدي سماسرة يحققون أرباحاً خرافية في أيام معدودة. والعيد، الذي يفترض أن يكون فرصة للتكافل والفرح، يتحول إلى عبء ثقيل على كاهل الأسر الفقيرة والمتوسطة. الدولة مطالبة بالتدخل، ليس عبر التسعير الجبري الفاشل، بل بفرض ضرائب تصاعدية على حلقات الوساطة المتعددة، وتسجيل جميع المتعاملين في السوق إلكترونياً لكشف المتلاعبين. بهذا فقط نحمي الفلاح من الاستغلال، والمواطن من الجشع، ونعيد للعيد بهجته التي يستحقها.