الانتفاضة
تُصر تركيا فيما يبدو على مُواصلة سياسات التدخّل في الدول العربية المُجاورة “عسكريًّا”، فيما تنتظر أن تتطوّر وتزداد قوّتها كما قال رئيسها رجب طيّب أردوغان، لتقوم بالتدخّل عسكريًّا ضد دولة الاحتلال الإسرائيلي، انتصارًا لغزة.
العراق واحد من الدول التي تتدخّل تركيا به عسكريًّا، وترفض الأخيرة بالرغم من مذكرات تفاهم في مجالات التعاون العسكري والأمني ومُكافحة الإرهاب “المُوقّعة مع العراق” إنهاء وجود القوات التركية في الأراضي العراقية، بل وتُصر تركيا من خلال بيان أصدرته بأن حرب تركيا ضد الإرهاب ستستمر بتصميم، في الداخل وخارج الحدود.
نفى من جهته مركز مكافحة التضليل الإعلامي، التابع لدائرة الاتصال في رئاسة الجمهورية التركية، ما تداولته وسائل إعلام بأن مذكرة التفاهم، التي وقّعها وزيرا الدفاع التركي والعراقي يشار غولر وثابت محمد العباسي، تهدف إلى إنهاء وجود القوات العسكرية التركية في الأراضي العراقية.
العراق يقول إن العمليات تنتهك سيادته، لكن أنقرة تقول إنها “ضرورية” لحماية نفسها من خطر “كردي” ما تقول إنه يدفعها لشن هجمات جوية بشكل دوري على مُقاتلي حزب العمّال الكردستاني، شمال العراق.
العراق الغاضب من التواجد التركي على أراضيه، يطرح تساؤلات ما إذا كان يُريد تفعيل غضبه “الرادع” على أرض الواقع، حيث لافت إعلان الجيش العراقي الخميس، إسقاط “طائرة مسيّرة تركية” في مدينة كركوك بشمال البلاد، فيما كانت تواصل أنقرة عملياتها العسكرية ضد مقاتلي حزب العمال الكردستاني التركي داخل الأراضي العراقية.
ولافت أن إسقاط الطائرة التركية، في وقت تشهد فيه العلاقات بين تركيا والعراق تقدما ملحوظا خلال الآونة الأخيرة وسط تفاهمات على ضرورة تعزيز جهودهما في “مكافحة الإرهاب”.
وقال نائب قائد الدفاع الجوي في كركوك، العميد عبد السلام رمضان، للصحفيين خلال مؤتمر صحفي في مكان سقوط الطائرة: “تم إسقاط طائرة تركية مسيرة اخترقت الأجواء العراقية”، وأضاف أن الطائرة جاءت “من اتجاه السليمانية”، ثاني أكبر مدينة في إقليم كردستان الذي يحظى بحكم ذاتي، إلى الشمال.
مُنتصف أغسطس الجاري، كانت وقّعت تركيا والعراق مذكرة تفاهم للتعاون العسكري والأمني ومكافحة الإرهاب، بعد يومين من محادثات أمنية رفيعة المستوى في أنقرة، وفق ما أعلن وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، ولكن يبدو أن مذكرة التفاهم هذه تُثير جدلاً حول بنودها، وتطبيقها، حيث قال مسؤول بوزارة الدفاع التركية أن نص مذكرة التفاهم المتداول في بعض وسائل الإعلام “غير حقيقي”، ويختلف عن النص الموقع عليه من جانب وزيري دفاع تركيا والعراق.
وفيما ترفض تركيا الانسحاب من الأراضي العراقية، تُغازل أنقرة العراقيين، بقرار بتوقيع من الرئيس التركي رجب طيّب أردوغان، يقضي بإعفاء فئة من المواطنين العراقيين من شرط الحصول على تأشيرة لدخول تركيا.
وفقاً للقرار الجديد، سيتمكّن العراقيون الذين تقل أعمارهم عن 15 عاماً أو تزيد عن 50 عاماً من السفر إلى تركيا بدون تأشيرة اعتباراً من 1 أيلول المقبل.
ويسمح القرار للمواطنين العراقيين الحاملين لجوازات سفر عادية بالسفر إلى تركيا لأغراض السياحة أو الإقامة لمدة تصل إلى 90 يوماً ضمن فترة 180 يوماً، وكذلك العبور من تركيا للمسافرين ترانزيت.
ومع هذا التنازل التركي الذي يُمكّن العراقيين من دخول تركيا من دون تأشيرة، تعرّض القرار الموقع باسم الرئيس أردوغان لانتقادات من قبل الداخل التركي، حيث رأى الصحفي فاتح ألطايلي، في مقال بعنوان (حاجة أم خيانة)، في إشارة إلى ضرورة شرح المبرر للرأي العام: ”ما حاجة البلاد لمثل هذه الاتفاقية التي ستتسبب في مزيد من احتلال تركيا؟ إذا لم تكن هناك حاجة حقيقية، فإن عواقب هذه الاتفاقية ستكون خيانة حقيقية“.
ويعتاد الطيران التركي المُسيّر اختراق الأجواء العراقية، ولكنّه كان ينسحب بموجب تحذيرات عراقية، ولكن يبدو أن الطائرة التركية لم تستجب، وتم إسقاطها وفق تقارير محلية بواسطة منظومة (بانستير) الفرنسية للدفاع الجوي، وسقطت فوق أحد المنازل السكنية داخل مدينة كركوك – حي تسعين – حيث أدّت إلى وقوع خسائر مادية فقط في المنزل الذي سقطت عليه”.
بكُل حال، قد يُنظَر لواقعة إسقاط المُسيّرة التركية من قِبَل دفاعات العراق، على أنها حادثة فردية، خاصَّةً أنها تأتي في توقيت توقيع العراق وتركيا اتفاقات أمنية، وأساسًا أتاحت الحكومة المركزية في العراق يقول مُنتقدون، أجواءها طويلاً لتركيا لتنفيذ ضربات ضد ما تقول أنقرة إنه مُكافحة للإرهاب شمال العراق، فيما لم تلتزم أنقرة بما تُريده بغداد بأن تسحب الأولى قواتها من الأخيرة.
تجدر الإشارة إلى أن الاتفاقية الموقعة بين العراق، وتركيا، لم تُعرض على مجلس النواب العراقي، الأمر الذي أثار ويُثير العديد من علامات الاستفهام حولها.
وكان رئيس وزراء العراق قد أعلن أن البلدين وقّعا اتفاقية لمدة 10 سنوات بشأن إدارة الموارد المائية وتهدف لضمان “حصول العراق على حصّته العادلة”، وتسعى بغداد أيضًا إلى التوصّل إلى الحُصول على حصّة أكبر من المياه من نهري دجلة والفرات، وكلاهما ينبعان من تركيا ويُشكّلان المصدر الرئيسي للمياه العذبة في العراق المنكوب بالجفاف، وفيما يُحاول العراق ضمان حصّته العادلة، يرى نشطاء عراقيون، بأن تركيا تُحاول ابتزاز العراق بحصّته المائية، مُقابل استمرار التواجد التركي على الأراضي العراقية تحت عناوين مُكافحة الإرهاب.
خالد الجيوسي
التعليقات مغلقة.