بوكماخ..حكاية مؤلف سلسلة « إقرأ » الذي حارب الإستعمار ومات بأحد مستشفياته

الانتفاضة // جمال العبيد

المغاربة الذين ساعدتهم الظروف على الإلتحاق بمقاعد الدراسة بعد استقلال المغرب يعرفون جيدا من هو أحمد بوكماخ ومن دون شك أن منهم من لازال يتذكر بوضوح العديد من عناوين ومضامين النصوص التي وردت في كتاب مدرسي من تأليفه يتكون من خمسة جاء بعنوان « إقرأ »، ونذكر على سبيل المثال « أحمد والعفريت »، « زوزو يصطاد السمك »، « سروال علي »، « الثرثار ومحب الاختصار »….رأى أحمد بوكماخ النور بداية العشرينيات من القرن الماضي بمدينة طنجة، وأصبح يتيم الأب في ربيعه الثامن. عاش طفوله صعبة، بحيث اضطر إلى العمل في دكان والده لبيع المواد الغذائية، وفي هذا المكان بالذات بدأ بوكماخ في مطالعة الكتب والروايات نظرا لأن الدكان كان يتكون من جزأين: جزء للمواد الغذائية وآخر للكتب، الأمر الذي ساعده على المزج بين العمل والقراءة.

انطلق مسار أحمد بوكماخ الدراسي بشكل رسمي بمدرسة الجامع الكبير بالسوق الداخلي إلى أن عين معلما بها. لم يكن بوكماخ بمنأى عن النشاط السياسي، بحيث انخرط في حزب الشورى في سن الثامن عشر، ولم يجد آنذاك سوى دكان والده لعقد اللقاءات التي كان موضوعها يتمحور حول المطالبة بالإستقلال وضرورة النضال داخل صفوف الحركة الوطنية، لكن بعد سجن والده لمدة ثلاث سنوات بسبب لافتة ذات حمولة سياسية عثرت عليها سلطات الحماية الفرنسية داخل متجره، سيجد الشاب أحمد بوكماخ نفسه مضطرا إلى إعالة إخوته السبعة وزوجة أبيه.

واصل أحمد بوكماخ نشاطه السياسي، لكن هذه المرة من خلال تأليف مسرحيات خلال سنوات الأربعينيات تسعى إلى غرس الوعي الوطني في نفوس الأطفال المغاربة من أجل مواجهة الحملة الإستعمارية، وخصوصا وأن تلاميذ مدرسة عبد الله كنون قاموا بتشخيص بعض مسرحياته وعرضها أمام الجمهور بمسرح سيرفانتيس بطنجة، ومن بين مسرحياته نذكر مثلا « نور من السماء » و »رسالة فاس » و »فريدة بنت الحداد ».

انصب اهتمام أحمد بوكماخ بعد اعتزاله العمل السياسي بعد استقلال المغرب على التأليف المدرسي بدعم من العلامة عبد الله كنون، الذي يعود إليه الفضل الكبير في صقل مواهب بوكماخ الأدبية والإبداعية، ويتمثل السبب الذي جعله يقتحم هذا المجال الغياب الشبه التام للمراجع باللغة العربية لتنطلق بعد ذلك الفكرة بمحاولة تأليف كتاب من الحجم الصغير لتدريس قسمه، قبل أن يصبح هذا الكتيب مرجعا أساسيا للتدريس بمدينة طنجة ومنها انتقل إلى جميع مناطق المغرب، وخصوصا بعد أن تطور الكتاب وأصبح عبارة عن سلسلة من خمسة أجزاء تغطي السنوات الخمس الأولى من التعليم الإبتدائي.

هذا النجاح الكبير الذي حققته السلسلة لم يعفها من الإنتقادات، بحيث يرى بعض المهتمين بالشأن التربوي أن سلسلة « إقرأ » تظل محدودة في الزمان والمكان وعاجزة عن تكوين الأجيال القادرة على إبداع الحلول للمشاكل التي تواجهها، أضف إلى ذلك أن السلسلة تعتمد على منهاج تقليدي يعتمد على الإلقاء والتلقين عوض التحليل والتركيب والنقد والتساؤل.

أسلم أحمد بوكماخ الذي بات يلقب ب « رائد الكتاب المدرسي » الروح إلى بارئها في 20 شتنبر 1993 بأحد مستشفيات باريس، عاصمة فرنسا، الدولة التي ناضل طويلا في صفوف الحركة الوطنية من أجل خروجها من المغرب.

التعليقات مغلقة.