مصابون بالأمراض النفسية والعقلية تخلى عنهم الوطن، فأصبحوا يشكلون خطرا على أنفسهم ومحيطهم

الانتفاضة/ محمد السعيد مازغ

      تناولت العديد من وسائل الإعلام بمختلف مشاربها حادثة مقتل والد على يد ابنه المصاب بمرض نفسي بمراكش، مرض أَلَمَّ به فحوله من شخص ظريف ومتخلق ، إلى شبه وحش لا يتحكم في سلوكه ، ولا يٌحَكٌِم عقله قبل الإقدام على فعل إجرامي يعاقب عليه القانون.
قبله بأيام تقِلٌّ عن الأسبوع ، يقدم معلم متعاقد بالمديرية الإقليمية لوزارة التربية الوطنية والتعليم بالصويرة على جريمة قتل زوجته، علما أن هذا الزواج لم يمض عنه شهر واحد. ومن ألطاف الله أن الجريمة ارتكبت في حق ضحية واحدة ، ولم تشمل مجموعة من التلاميذ الذين يدرسون بالفصل المسند إليه. وفي الفترة ذاتها ،تأتي الأخبار بجريمة بشعة بأغواطيم إقليم مراكش ضحيتها زوجة وطفل لم يتعدَّ سنه ستة أشهر ، وأم الزوجة ، ونجت أخت الزوجة بأعجوبة من موت محقق ، بطل هذه الجريمة هو الزوج الذي بدلا من أن يحمي أسرته ، سارع بدبح ضحاياه بِمَدِية حادة، وتركهم في دمائهم يتمرغون.

جرائم بالمئات في حق الأصول ، مما يجعل وقع مثل هذه الجرائم ليس سهلا ، وانعكاساته خطير على المجتمع بصفة عامة ، وعلى الأسر والمحيط بصفة خاصة ، قد يدتتسبب الجريمة في قلب حياة أسرة أو عائلة رأسا على عقب ، وقد تخلف يتامى وارامل ، ويمكن أن تأتي بنتائج وخيمة تترتب عنها الأحقاد والاضطرابات النفسية والسلوكية ، والعنف ، والانتحار ، والتشرد ……

بقليل من التمعن يمكن التساؤل عن من المسؤول عن هذه الفواجع المؤلمة ، هل هي ضغوطات المجتمع الذي لا يرحم من لفظته المدرسة أو سوق الشغل ، وعاكسه الحظ فلم يجد ما يسد به حاجياته الأساسية ، ولا ما يخفف به وطأة الحياة. أو المسؤولية ملقاة على عاتق الأسرة التي تهاونت في تقديم العلاج للمصاب وإخراجه من دائرة الاكتئاب والضغوطات النفسية المصاحبة !؟ هل هو الأب الذي لم يحسن التعامل مع ابنه المريض عقليا!؟ ام هو المريض الذي لم يلتزم بأخذ الأدوية ولم يمتثل للتعليمات والنصائح الطبية، فكانت النتيجة تفاقم المرض ، واليأس من العلاج ، والعنف المفضي للموت أو لعاهات مستديمة .         إن من يتتبع الظروف التي تعيشها العديد من الأسر ، والمعاناة الحقيقية التي تواجهها وهي تسعى لإنقاذ المريض نفسانيا ومعالجته داخل مستشفى الأمراض العقلية والنفسية ، أو المصحات والعيادات الطبية المتخصصة ، يقف على حقائق مؤكدة ، تتجسد في مواجهة مشكلتين كبيرتين ليس من السهل تخطيهما ،. 

فأغلب المستشفيات العمومية ترفض استقبال المرضى ، وتطالب بمجموعة من الإجراءات القبلية قبل القبول باستقبال المريض ، ووضعه تحت العناية ، ومنها ان على الأسرة دعوة عناصر الوقاية المدنية إلى الحضور إلى عين المكان ونقل المريض عبر سيارة الإسعاف ، وإخبار السلطات المحلية ، ورجال الأمن أو الدرك الملكي ، وغيرها من الإجراءات التي يمكن أن تتيح للمريض الاستفادة من سرير ، أو مطالبته بشراء الدواء وتتبع العلاج خارج المستشفى بدعوى عدم شغور الأسرة. وهي غالباً مثبطات تحول دون معالجة المريض وتركه فريسة للمرض والاضطرابات النفسية ،كما أن ظروف الاستقبال ، غالبا ما لا يحظى المريض بالعناية الكافية ، فيصبح شبه السجين ، الذي تنهار قوته بفعل المسكنات ، وقساوة المعاملة احيانا.                                     

أما الحالة الثانية وهي العيادات الخاصة فمتطاباتها المادية تفوق القدرات المادية لكثير من الأسر ، ومنها ما يلزم الأسرة نقل المريض من مدينته او قريته إلى المدينة التي توجد بها المصحة ، وعملية النقل وحدها خاصة إذا كانت حالة المريض تتصف بالعنف والعناد ، ويصعب ضبطه والتحكم في حركاته ،تصير شبه مستحيلة.

معاناة العديد من الأسر مع المرضى العقليين والنفسيين لا تعد ولا تحصى ، ففي غالب الأحيان ، تضطر الأسرة إلى مواجهة نيران ملتهبة، نار مرتبطة بالاضطرابات النفسية التي تتسم بالهيجان وبالعنف وصعوبة السيطرة على مريض خارج وعيه ، قادر على ونار الحصار المضروب من المستشفيات العمومية والمتاريس الموضوعة في وجه المرضى وأسرهم ، امام هذه الحالات تصطر بعض الأسر السماح في فلذة كبدها ،فتتركه يهيم على وجهه في الشوارع ، يبيت في العراء ،ويأكل ما صادقه ، ويتعرض لأبشع المعاملات ، ومن الأسر من يخضع الشخص المصاب باضطرابات عقلية لمعاملة غير إنسانية أو مهينة تسبب له معاناة جسدية أو نفسية كتقييد حركاته بالسلاسل والقيود ، وقطع كل علاقاته بالعالم الخارجي..

التعليقات مغلقة.