مع حلول شهر رمضان الكريم وككل سنة، تشهد أسعار المواد الاستهلاكية والغذائية ارتفاعا صاروخيا مسّ سلعا رئيسية ما أثر بشكل مباشر على مستوى المعيشة اليومي للطبقتين الفقيرة والمتوسطة، وكسر ظهر المستهلك المغربي، كما ضعف قدرته الشرائية، حيث يزداد الضغط المالي عليه يوما بعد يوم ويجعله مثقل الكاهل، ومن الصعب عليه تحمل تكاليف أبسط ضروريات الحياة، في ظل التجاهل التام للحكومة لهذه الازمة، وكذا لازمات سابقة متتالية، علما انها السبب في استمرار غلاء المعيشة الناتجة عن سياستها الفاشلة واللامسؤولة والتي وعدت فاخلفت موعدها مع محتلف طبقات الشعب المغربي المغلوب على امره.

لقد بلغت أسعار المواد الغذائية والاساسية ذروتها، فصندوق السردين الواحد مثلا (سمك الفقراء) بلغ ثمنه 400 درهم رغم توفر المغرب على منطقة بحرية تمتد على حوالي 1.12 مليون كلم مربع، وتعد من أغنى المناطق عالميا فيما يتعلق بالثروة السمكية، فثراء السواحل المغربية بالموارد البحرية الحية كان معروفا منذ القدم. اما فيما يخص أسعار الخضر والدواجن والبيض فحدث ولا حرج حيث بلغ ثمن البيضة الواحدة الدرهمين، وهذا ما يخالف تصريح رئيس كونفدرالية الهيئات الافريقية لتنمية قطاع الدواجن للمغاربة السنة الماضية، حيث طمأن المغاربة واكد على وفرة هذه الأخيرة، ما جعل للمغرب اكتفااء ذاتيا مكن المغرب السنة الفارطة من تصدير مليون صوص للأسبوع، بل حتى في وقت الكورونا وصعوبة الاشتغال في ظروفها لم يتأثر القطاع.
وفي ظل هذه الازمة تستمر الحكومة في تمثيل دور الصم البكم، ولم تقم بدورها وبما يلزم لمواجهة الغلاء، كما تفتقد لرؤية شمولية لمواجهة الظاهرة، وهذا ما تبين من خلال تقديم الناطق الرسمي لها أمثلة عامة عن الأسعار والتي لا تتوافق و الأسعار الحقيقية في عدد من مناطق المغرب، بالإضافة إلى أنها تركز على التصدير الخارجي خصوصا في اتجاه أوروبا ودول افريقيا جنوب الصحراء ميؤثر سلبا على السوق الداخلية، وعوض أن يكون هناك تدخلا فعالا للحكومة، وان تتخذ جميع التدابير اللازمة كتخفيض التصديرات وإعادة النظر في دفتر التحملات والاتفاقيات الدولية، فهي تتجاهل دورها ولا تولي أزمة غلاء المعيشة أي اهتمام.

وما يزيد الطين بلة هو لهفة المستهلك المغربي في هذا الشهر الفضيل، فيغيب لديه الوعي الاستهلاكي ويهرع إلى اقتناء جميع المواد الغذائية بكثرة رغم ارتفاع سعرها، وكأنه مقبل على سنوات عجاف، ويتكبد عناء جمع المال اللازم لهذه العملية حتى وإن كلفه الأمر استدانة من اقاربه وأصدقائه. وبهذا يساهم المستهلك في رفع الدولة يدها عن ارتفاع الأسعار وأصبح وعي المواطن هو معيار تحديد الأسعار. هذه اللهفة التي تصيب المستهلك بشكل ملفت للنظر قبل وأثناء رمضان، يبقى الأمر الواقع ويساهم بشكل كبير في استمرار أزمة الغلاء، حتى فقد سلاح المقاطعة فاعليته، بل وغاب عن الواقع عكس ما يروج على مواقع التواصل الاجتماعي، في ظل الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الصعبة التي تواجهها الأسر جراء الغلاء وارتفاع أسعار المواد الأساسية، وتداعيات التضخم والجفاف التي زادت من انحدار القدرة الشرائية للمواطن.
للمقاطعة (مقاطعة المنتوجان والمواد الغذائية المرتفعة السعر عن قيمتها) أثر كبير في حل مثل هذه الازمات، وهذا ما لمسه المغاربة في حملة المقاطعة التي عاشها المغرب خلال العام 2018، والتي استهدفت 3 علامات تجارية بالبلاد، وأدت الحملة التي أحدثت ضجة كبيرة على المستويين السياسي والاقتصادي بالمملكة إلى إلحاق أضرار اقتصادية وتجارية بها، والتي دفعت العديد من الشركات إلى إعادة النظر في استراتيجياتها التجارية بالبلاد. فحملات المقاطعة تنجح وبشدة، حيث يمكن الاستغناء الطوعي عن بعض المنتجات لإجبار الشركات وكبار المنتجين على تخفيض أثمنتها.
نعم هناك عوامل كثيرة تساهم سلبا في الارتفاع المهول للأسعار، منها المناخ والمضاربة والكوارث الطبيعية والحروب وغيرها، وكل هذه العوامل يمكن للحكومات أن تتدخل في بعضها كتطبيق القانون في حق المضاربين ومحاربة الاحتكار، ولا يمكنها التدخل في عوامل أخرى كالحروب والمناخ، ولكن هذا لا يمنعها من الرفع من القدرة الشرائية للمواطنين فهي مسؤولية ثابتة للحكومة، وهذا ما فشلت فيه بامتياز.
فالمشكل ليس هو ارتفاع الأسعار بل المشكل الحقيقي هو محدودية القدرة الشرائية، والسؤال الحقيقي ليس ما هو سبب ارتفاع الأسعار أكثر فأكثر؟، بل هو لماذا لم تتحسن القدرة الشرائية للمغاربة طيلة السنوات الماضية؟ ولماذا ترتفع الأسعار في جل ما يحتاجه وما يستهلكه المواطن المغربي إلا في أجرته الشهرية فهي تبقى مستقرة وثابتة ولا تغيرها عوامل الزمان ولا المكان؟ اسئلة ننتظر من الحكومة الإجابة عنها وعدم تجاهلها كعادتها!.


مقال في المستوى لما يحمل من رسائل تستهدف النقاط الحساسة في ازمة غلاء الاسعار التي نشهدها كل عام في مثل هذه الظرفية . حسبي الله ونعم الوكيل