الانتفاضة الثقافية
في طبعة أنيقة ،صدر عن منشورات بيت الحكمة ،النسخة العربية لسيرة ﭘاكيطا في بلاد الموروس، وبعنوان فرعي،مورو عجوز متذكرا أسبانيا،وتعد ثالث مؤلف سير ذاتي ،بعد منجزيه” في ظلال لالة شافية ” تم” ولد السوق (2008) لأستاذ الأدب الاسباني ، إدريس بويسف الركاب لوكي، بأخذه الاسم” لوكي ” الخاص بأمه و إضافته إلى اسمه العائلي. في سياق مسار سردي ماتع، يعرض المؤلف ، قصة عشق جمعت بين مغربي لطيف و إسبانية جملية .هو محب للحياة و هي عاشقة للمسرح.وقع ذلك، إبان زمن الحماية الاسبانية على شمال المغرب، و بالضبط في مدينة تطوان.استغرق عرض أطوار القصة، أربعة فصول ،هي على التوالي :
الفصل الأول : باكيطا و محمد
الفصل الثاني :تعلم العيش في ” الباريو مالكا”
الفصل الثالث: فرنسا و السجن و الأعوام الاسبانية
الفصل الرابع: العودة. يتوسل إدريس الركاب الكتابة، مثلما يتوسل الحفار فأسه ، فيقوم عمله على الحفر بالقلم تنقيبا في الذاكرة أكثر من التمحور على صياغة وقائع و أحداث جرتـ تم انتفت ،بعد انتفاء زمنها .يقصر اهتمامه بها باعتبارها تجليا تاريخيا ، لنمط من العيش ، وطريقة في الحياة ، مشروطة بظروف اجتماعية و سياسية ، مر بها (محمد) قبل أن يصبح أبا، و قبل أن يفكر في من ستكون أم أبنائه ، ولا في أنه سيعلن يوما في أندلسية واسعة العينين بمجرد ما رتبت الصدفة اللقاء بينهما (..) يا آنسة، اسمحي لي لأن أقول لك إنك أجمل امرأة التقيتها في حياتي (..) كذلك الظروف الاجتماعية و السياسية التي مرت بها (ﭘاكيطا) قبل أن تفكر في اليوم الذي ستصبح فيه أما لموروس ستة ، ولا في كونها ستعترف في يوم في وصفها لوالدهم (..) ملامحه وديعة ،و تبرز في وجهه عينان واسعتان بلون اللوز،وحاجبان أسودان كالسُبج ، يبدوان و كأنهما ُخطا من طرف أعظم الرسامين (..)
* شئ من بداية النهاية
عبر معجم لغوي جميل الحبكة ،عرض السارد الحوارات الصريحة ، و ما تخللها من بوح على أقصى درجات البوح ، دونما حاجز أو مركب نقص.فرصة تأثث لإدريس بعدما غادر السجن، و صارت له حياة مستقرة ،مثل بقية أخوته ، يتأمل (ﭘاكيطا) التي أصبحت جدة (..) كان وجهها مرسوم الحدود و محجرا عينيها ضخمتين و داخلهما جفنان يبدو أنهما انكمشا بفعل مرور الزمن.تلك العينان الكبيرتان الجميلتان الزرقاوتان، أصبحتا الآن صغيرتين ، كانتا تتراجعان كل مرة أكثر نحو محجريهما و كأنهما تستعدان للاختفاء.هاتان العينان الزرقاوتان اللتان كانتا رائعتين و كبيرتين ، أصبحتا تلمعان فقط بفعل الدموع ، تذرفها بشكل متقطع (..) كأننا به، يستغل كل حيز زمني ،يصطاد كل لحظة أواه بهانفس المكان، لإطلاق حبل النقاش الودي معها ،كأن وعي الباطن يحثه على تعويض بعض ما خلفته بينهما سنوات حجزه خلف الأسوار.
فصل ، ﭘاكيطا و محمد
يستحضر السارد ، أحاديث إدريس مع أمه بعدما اكتسب من النضج ما يقتضي منه عدم اختزاله حكاية تعرف مغربي مسلم على اسبانية مسيحية وزواجهما ، لأن في الحكاية ما يحلي الغموض عن جانب من الوجود الاسباني بالمغرب. وجود تشد إيه ، فترة مهمة من تاريخ شمال المغرب ، ابتداء من تاريخ إعلان الحماية الاسبانية عليه ،بناء على معاهدة في هذا الشأن ، جرى التوقيع عليها سنة (1913). حدث تزامن معه ميلاد ﭘاكيطا ( بيجانوبيا دي ألكيدا ) بإقليم مالكا قبل أن يقرر الوالد “خوصيلوكي كارمونا ” حمل أحلامه و أسرته إلى المغرب.
لأجل المهاجرين الأسبان ، أنشأت سلطات الحماية مدينة “الاينسلتشي” ،لا يجاورهم بها سوى الموروس المؤيدين للمحتل، بضع من اليهود الأثرياء في حي “الباريو مالكا “، الذي تطلب تشييده هدم مسافة 1100 متر من سور المدينة التاريخي. مسافةتفصل بين ،باب الرمز و باب التوت.فبعد الرباط فالقصر الكبير و العرائش استقر معلم النجار بأسرته بهذا الحي ، في مجمع ” الخينيراليسيمو فرانكو ” المطل من أحد جوانبه على جبل درسة. كانت (خوصيفا) أم محافظة ، و متشددة في إبداء الطابع المنغلق لأسبان هذه المرحلة.همها، إعداد بناتها للزواج و التفاخر بذلك و بما علمتهم إياه من أشغال البيت.محافظة أمها لم تمنع ﭘاكيطامن الخروج . ففضلا عن أن عملها بمتجر “لاريخا ” لبيع الأحذية مكنها من المساعدة في تكاليف حياة العائلة، فإنه أتاح لها فرص اللقاء مع ” خوانيطا” زوجة المورو سلام. بفضل ذلك، تأتت لها و هم بساحة الفدان ، لحظة اللقاء مع المورو محمد ، و الوقوع في حبه من النظرة الأولى.
محمد يتيم و وحيد أمه . جشع (الغماري) زوج أمه الجديد ، المسنود بعائلة ( الرزيني) الغنية و النافدة في البلد ،جعلته يستقل بنفسه قبل أن يبلغ السادسة عشرة من عمره.
شارك محمد الشاب ،في فيالق ” فرانكو الموراس“ بين سنوات 1936 و 1939، و لما أصيب في أحدى المعارك أحيل إلى بلده ، وعمل ترجمانا بإدارة الأهالي ، لإتقانه للغة الاسبانية و حديثه بها بنفس سلاسة الأسبان .في هذه الفترة ،ناضل في صفوف الكتائب الاسبانية و منظمات التوثب الوطني و النقابي .يقول السارد في رسم بعض ملامح شخصيته (..) كان الظلم من الأمور التي تجعله يفقد التحكم في نفسه (..)
(2) تمرة الغضب
كيف تأتى للاعب( أتليتيك تطوان) السابق أن يصاب بالإفلاس؟ و يخسر العمل ؟ و يضيع منه ما ورثه عن أمه ؟
كانت وظيفته من جعل أناقته تحظى بإعجاب الإسبانية الجميلة ،وقبولها بعقده عليها رغم موقف أهلها من الزواج بمورو ” متوحش”.
لم يغنم إدريس الشيخ من أحاديثه مع أمه، و من حفره في سيرتها، الوقوف على سبب إفلاس والده فقط، بل استطاع أن يتصور و معه القارئ، سر عجز إفلاس مالي، عن إنهاء زيجة بناها عشق مشترك. تضحية طرفين، لم تتخذا من اختلاف ديانتيهما و ثقافتيهما معيار مقرر في ارتباطهما المصيري. فهي (باكيطا ) تعترف لأبنها أنها (..) انبهرت بهيئته و مظهره :لاحظتُ منذ الوهلة الأولى أنه كان في منتهى الأناقة. قميص نظيف و ربطة عنق و بذلة و حذاء من النوع الرفيع (..)وتعتبر المدة بين 1948 و 1954، مرحلة زمنهما الجميل. لم يكن لمحمد أن يفلس، لو أحسن تدبير موارده، ولو عرف كيف يتحكم بغضبه سواء في مواجهة طمع (الغماري) أو ضد حقد رئيسه في العمل .
بأسلوب استرجاعي مكثف تعرضت (باكيطا ) لحالهما في ما يشبه المأساة بقولها (..) أذكر أننا، محمد وأنا ، كنا نمشي حفاة إلى موضع رمي الأزبال قرب المطار، للبحث عن أشيباء مازالت صالحة للاستعمال ، و أمكن إعادة بيعها ، مثل قطع النحاس أو معادن أخرى، أو أشياء كنا نأخذها إلى المنزل (..) فمقابل إيجابية أمه، كان موقف الشيخ إدريس سلبيا اتجاه والده ، فبرأيه (..) كان يشعر بما يشبه الذنب بالتعابير الحادة و القاسية، التي كان يستعملها بخصوص سلوك محمد،أبيه (..)
(3) التفاتة المقيم العام
تهيب باكيطا من مجرد ذكر اسم فرانكو. مجرد طمر إسمهيصيبها بالفزع و يريع روحها الشفيفة، فتتصور نفسها في أقصى درجات الألم. حالة نفسية ، ليس من المستبعد أن تشمل غيرها من الاسبانيين و الاسبانيات ، بسبب السياسات التي انتهجتها السلطات العسكرية . لهذا، وكلما وجدت الفرصة مواتية لذلك ، رددت حكمتها المأثورة (..) الفم المغلق لا يدخله الذباب (..) بغاية بثها في نفوس أبنائها و بناتها. لن تتحمل أبدا رؤية نفسها في سجن ، أو تصورها تقاد نحو ساحة (طوريطا) لإعدامها. تصرح (..) لا يمكنني أن أنسى أنه في يوليوز 1963، ألقوا القبض على عدد من رجال( الباريو) شيبا و شبابا،و أخذوهم إلى ( طوريطا ) ودون تردد أعدموهم رميا بالرصاص(..)
لم يكن الاستسلام من طبيعة باكيطا، لأنها تؤمن بأن (..) الله يضغط ، لكنه لا يخنق (..) فما إن شرع إفلاس الزوج يتهدد حياة أبناها بالضياع ، حتى بادرت إلى تحدي موكب المقيم العام الاسباني ( رافائيل غارسيا فالينيو) حيث اعترضت طريقه ، وقدمت له طلب مساعدة .
خلاصة : أفلس المورو محمد ، غير أن ما وقعت فيه عائلته من عوز، لم يكن بداية نهاية ، بيت العائلة الذي شيدته معه هذه الاسبانية. إفلاس مالي ، نذير صراع قاس ، بين تهوره ( هو) و تبصر( باكيطا) أي بين قوة حكمتها ، واستسلامه أمام نزواته . تضاد نظرتين، تكشْفت في سياقه جملة قضايا، و تسربلت عبر الحكاية مثلما تتسربل حبات الرمل بين أصابع قبضة اليد .كان صمودها، ثمن تحقيق حلمها ، في التحاق إدريس و أخوته و إخوانه بالمدرسة. التحاق، ما كان له أن يتحقق لولا المقابل الذي استفاد منه السي الإدريسي .
في فصل، تعلم العيش في الباريومالكا
يكشف السارد ، سر التحول الذي عرفته عائلة محمد و باكيطا ابتداء من سنة 1959، لما شجع نظام فرنكو مواطنيه على الصعود شمالا من الجنوب نحو إسبانيا . فمن الضاحية ، انتقلت العائلة إلى مدينة تطوان، و بدل النوالة ،سيقيمون بشقة الجدة (خوصيفا جاماس أرخونا) بحي ( الباريو مالكا) . صار بالإمكان الإقامة بالغرف النظيفة، أخذ الماء من الصنبور، الإضاءة ليلا بالكهرباء ، والاهم من كل ذلك القرب من المدارس. بدت المدينة رحبة فسيحة ، فمارسوا هناك ، بعيدا عن أعين محمد و باكيطا ،أنواعا من اللعب، و اكتشفوا بعض ما يقوم به الأطفال هناك من حماقات ،خاصة (في جامع المرزاق ) تعلموا تجنب الوقوع في المحضور(التغزل بالصبيان..) كما هي حال ( المدعو إدريس الأعور ) التي لم يستطع عنها رجوعا. من ناحية أخرى، استطاعوا تدبير أمور حياتهم اليومية بإشراف من أمينة التي لم تتجاوز وقتها ربيعها الخامس عشر، وبرعاية، من إدريس الذي كان وقتها على مشارف سن المراهقة.يقول السارد (..) كانت أمه مع زوجها في مرتفعات “بوحمد” لا تستطيع أن ترى ما يفعله ابنها، أحسنا كان أم سيئا.و مع ذلك كان يتذكر نصائحها الجيدة وتوصياتها و بالأساس سلوكها، لان باكيطا كانت امرأة مستقيمة و صادقة في ما تقول و ما تفعل (..) وهذا كان هو الشيء الذي تمثله أبناؤها و بناتها بدون وعي و بلا انقطاع ، حقائق انغرست في أفكارهم و تصرفاتهم (..)
(1) حب السينما و المطالعة
لم تكن إقامته و إخوته في حي الباريو مالكا مجرد انتقال من البادية إلى المدينة فحسب، بقدر ما هي انفتاح على فضاء ثقافي مبهر، في عالم وعلاقات اجتماعية جديدين .فقد تعلق بحب السينما لدرجة (..) يستحيل على إدريس إحصاء كل الأكاذيب التي لفقها هو و أخوه محمد لامهما و أبيهما وأختيهما ، ليستطيعا الحصول على ثمن تذكرة سينما (..) علما أنها لم تعرض من الأفلام، وقتها ،غير ما يسمح به نظام فرانكو.
إلى جانب السينما دأب على قراءة و مطالعة الكتب.في البيت الجديد ، توفر لباكيطا و لأبنائها من الكتب ، ما بقي هناك بعد رجوع والديها ( خوصيفا و إدوار دو) إلى إسبانيا (..) من روايات وردية و روايات الغرب و بعض الكتب المستعملة التي (..) صارت مع الوقت ، تجتذب أمينة و محمد و إدريس، يستبدلونها بمثيلات لها مستعملة ، يوفرها كشك صغير في الباريو (..) ولا يقتني جديدا إلا بعد توفير ما يشجعه من بسيطات على الذهاب إلى ساحة مولاي مهدي ، ليقتني من( الأينسانشي) واحدة من قصص الغرب الأمريكي (..) يقراها هو و تقرأها أمه و لا يتذكر ما إذا كان أخوه محمد يقراها (..) يعترف الشاب إدريس بأنه استطاع (..) أن يتثقف قليلا من 1959 إلى 1963، بالرغم أن الباريو كان يوفر له إمكانيات ضئيلة (..) إضافة إلى حظه في التعلم بمدرسة ” الشريشار” المغربية الفرنسية، حيث جلس أمام أساتذة (..) عملوا على جعله يتلمس شيئا كالمستقبل (..) يتذكر منهم ثلاثة بشكل خاص : الشاب الفرنسي فاص، و السيد أخريف، و السيد الورياغلي (..)
(2) ثلاث سنوات في عمري
التحق إدريس بالسلك الثانوي سنة 1959، إلا أنه، و بسبب تقصير إداري حرم من منحة الذهاب للدراسة بثانوية مولاي يوسف بالرباط العاصمة.لكن ،بمساعدة مندوب الوزارة الجديد (معلمه السيد الورياغلي) الذي تيسره له الالتحاق بداخلية مدرسة الودادية الإسرائيلية العالمية . منذ 1962 ، بدأ إدريس يتعرف على كبار الكتاب الفرنسيين و الانجليز ،و بدا يستوعب الأفكار و المفاهيم الجديدة.
(3) عقدة الفقر
لدورة الزمن و إيقاعه مكانة ، في ما استقرت عليه حياة إدريس الشاب من ترتيبب غالبا ما يتحرك مساره وفق خط منكسر .أبناء جاهلون بتاريخ والدهم ،وأم لا يتخطى عالمها حدود ما يضمها ومحمد تم من حيز مكاني ، شهد إنجاب البنات والأبناء. أب مفلس ، أحيانا يستهتر بحياة أبنائه ،بفعل ضغط يأس ناتج عن فقدان الوظيفة وضياع البيت المشيد فوق ما ورثه عن أمه من الأرض. صار الفقر عقدة إدريس.تقبله كقدر أو غضب سقط عليه من فوق.
(4) الحاج ميلود و ليسي ليوطي
نشأ إدريس على لازمة لا يخطئها لسان باكيطا (..) شئأحسن من لاشئ (..) كذلك حصل، حينما ولج إلى ليسي ليوطيبالدار البيضاء .لم ينقطع عن الدراسة بسبب عجز عن مسايرة إيقاع الدراسة ، و إنما بسبب جرعة ألم زائدة ناتجة عن الإحساس بالفقر.لم ينبعث الأمل في نفس إدريس إلا لأن صهره ميلود وعد بحسن إيوائه، أما والده محمد ، فلم يعد بغير تكاليف لوازم الدراسة ، ليبقى النتيجة على ما سيبدله إدريس من جهد. في مدينة الدار البيضاء ، عاش تجربة، لم تيسر له بما يكفي للاندماج بعلاقات أبناء البورجوازية، رغم أن تلميذات فرنسيات كن (..) تجعلن عيونهن حلوة لأجله (..) إلا أن إدريس لم يكن يحوز حتى (..) ما يسمح له بشراء حلوى يابسة، يحلي بها بعضمرارة ذلك القحط (..)
(5) تفوق إدريس طريقه نحو بوردو
لم يلتحق مباشرة بمدينة بوردو،بل كان عليه ، قضاء سنته الأولى بملحة لها ، اقامتها البعثة بثانوية ديكارت بالرباط ،نظير منحة صغيرة من البعثة الفرنسية. هكذا ضاعت عليه فرصة السفر إلى فرنسا سنة 1967. لم يتوقف الأمر عند هذا الحد ، فبدل دراسة الفلسفة التي كانت نصب عينيه و اختياره، اضطر لاختيار الأدب حتى من دون أن يودع الوالد.(auto-stop) الاسباني.لما كانت سنة 1968 رحل إلى فرنسا عن طريق طلب
في فصل ، فرنسا و السجن و سنوات اسبانيا
(1)أصدقاء زمن الثورة
لما حل بمدينة أفنيون صادف بها أجواء المهرجان.أفواج الشابات و الشباب (..)بسيطين،واضحين،متضامنين (..).عتر بسرعة على شغل، كعامل في صناعة سلل الفواكه.لاحظ أن هؤلاء الشباب و الشابات (..) يوجهون انتقاداتهم ضد الأنظمة البورجوازية ،و اتجاه سيطرة المال على ضمائر و تصرفات الناس (..)
أثار انتباهه ، أنهم (..) كلهم كانوا مع الثورة (..)
في الحي، بعض الجارات صارحنه بوسامته،أما الجيران فبعضهم أقر بطيبته. رفقته الجديدة و إعجاب الجيران غمرته بما حرره نسبيا من عقدة فقره. لم يعد يرى الفقر خطيئة ، لكن سؤال وجود الفقر في هذه الدنيا الحية بروعة رجالها و كمال نسائها،ظل قائما، وبموازاته استمر سؤال السبيل إلى ممارسة الحب مع امرأة تستأثر بمشاعره ؟
فشل في التجاوب مع إيماءات ( ليديا ) الايطالية التي تزوره في خيمته ، تم مع (كوليط) الفرنسية التي لم تخفي ميلها نحوه. كان على نمط من التنشئة الاجتماعية جعلت منه جاهلا بثقافة الحب و النظر للعلاقة الحميمة مع المرأة.
Toulouse (2) جامعة تولوز–
في تولوز، صادف إدريس الشاب فوران ثورة مايو 1968 الطلابية، واكتسب في أعقاب اندماجه بأجوائها صداقات و علاقات مع الجنسين. قرر أن يحرر نفسه من عزلتها، و أن يفتح لتأملاته أفقا أكثر اتساع و رحابة.
Lucile(3) شتنبر الأسود –
في شتنبر 1970، و أثناء تظاهرة تضامنية مع الفلسطينيين المطرودين من الأردن، تعرف إدريس على الفرنسية (لوسيل) .صداقة سرعان ما تحولت إلى علاقة حب جارف، فسقف مشترك للعيش.في هذه المرحلة حاول أن يتعلم أكثرو يقرأ كثيرا،كما اهتم كثير بالصراعات والثورات التحريرية .تعرف على مناضلين فرنسيين ،و أفارقة وأسيويين و عرب. اختار إدريس طريقه، وانحاز بمحض وعيه إلى جبهة النضال الثوري ، خاصة بعد تعرفه على يساريين مغاربة ، يحملون ما بدا له في صالح بلده المغرب من أفكار و تصورات سياسية. لقد انتقل من نظرة إلى أخرى مغايرة شكلت بالنسبة إليه (..) إضاءة و بابا مفتوحا على تحقيق السعادة الكونية في ذهنه على الأقل (..) فصحا على أن السياسة ليست هلامى ، و إنما هي انخراط في التغيير.
(4) مأساة الرفيق إدريس
حينما اعتمدت خلية (تولوز) دوافع محض إيديولوجية لتعليل قرارها القاضي ، بتخلي الرفيق إدريس عن زوجته الفرنسية ،وحيث أن السيدة قدمته لأهلها ، مباشرة بعد السنة الثالثة على تعارفهما ، و حيث أن القناعة بالحياة المشتركة كانت قاسما مشتركا بينهما، رفض القرار، و انسحب من الخلية و من النضال.
(5) إدريس يساءل الماركسية
لوعيه بما أصاب فيه كارل ماركس، تساءل إدريس عن أين أخطأ ؟
لم يعد ماركسيا ، بمجرد ما ساءل أطروحات في مدى صوابها من عدمه ، في موضوع الوصول إلى السلطة.
مختصر رأيه أن بلوغها عن طريق العنف لن يتمر غير سلطة عنف.
ساءل أيضا، مفهوم الحزب، و مدى سدادة اعتباره ماركسيا أو غير ماركسي ، بناء على مفهوم المركزية الديمقراطية.
تعليله، أن المركزية تتعارض مع الديمقراطية.
ساءل الماضي في ضوء الراهن، معتبرا أنهما يجلان بعضهما.واضعا في الميزان، ثماتل و تفاضل عهدين من تاريخ المغرب،مقيما المنجز في ضوء الخسارة و الربح، بحيث أن المعني بهما معا، ليس الشيخ إدريس في ذاته،بل المجتمع في ديناميته و سيروراته.
(6) عودة بعد انفضال
يشي انسحاب إدريس من خلية (تولوز) بنظر السارد ، إلى أنانية تلك المجموعة، و غورها في ما لا يفيد حركتها في ما تصبوا إليه ، بقدر ما يتجه لكسر فرح قائم .فبعد دخول الشاب إدريس إلى المغرب ، أستعاد أستاذ الأدب الاسباني صلته بمنظمة ” إلى الأمام ” ، لما ظهر من الظروف ما يشجع على هذه العودة ،و ذلك سنة 1975. و في أقل من سنة، بتاريخ 13-01-1976، وقع اعتقاله. يقول السارد في رصد لحظة قاسية على السيدتين (..) ذهبت (لوسيل) و (باكيطا ) ما لا يحصى من المرات إلى أقسام الشرطة في الرباط و الدار البيضاء ، تسألان عن الزوج و الابن (..)
(7) وحيدا مع أمي
بعد ما ينيف عن نصف سنة رهينة ” التغييب “ و التعذيب ” بدرب مولاي الشريف ” أحيل على السجن وبعد الحكم عليه بعشرين سنة أمام استئنافية الدار البيضاء خلال يناير – فبراير 1977 .(..) حين كانت تأتي أمه لرؤيته في السجن، كان يعجبها الحديث معه حول طريقته في التفكير و حول سبب اعتقاله (..) و كان هو أيضا يعجبه الأمر (..) .رغبة مشتركة ولدها تواصلهما عبر المزار،و حرقة البُعد.وضع الجديد أتاح ما تعذر عليهما بلوغه زمن الحرية. يقول السارد (..) كان ثمة أسئلة تشغل بال باكيطا، و قد طرحتها في عدة مناسبات، أثناء زياراتها، كانت تدور حول ذلك الذي يسمونه الماركسية ،وحول ذلك الذي يسمونه الإلحاد (..) لم تمنع الحوارات الجدية ، باكيطا من الترويح على نفسها كلما زارت ابنها المعتقل. لم تفقد هذه الاسبانية ، التي تعرفت في عمرها ذاك على السجن،روح الفكاهة و التنكيت مع إدريس . فوضعيته الجديدة،أتاحت لإدريس التقرب أكثر من قلب أمه، و التقاط دبدبات نبضها ،وضعية ، يقول عنها السارد(..) لم تكن دائما متأتية، لولا ما خاضه المعتقلون السياسيون عبر الإضراب عن الطعام من نضال، دام أحدها خمسة و أربعون يوما، و استشهدت خلاله الرفيقة سعيدة لمنبهي
(8) نهزم السجن بالضحك
(..) كلهم،وكل شئ كان موضوع تنكيت و ذريعة لقضاء وقت سعيد (..) ففضلا عن كونه فضاء مغلقا ،هو أيضا فرصة لإذلال المعتقل. تدليلا منه على ذلك، يعرض السارد حالات ومواقف مشحونة بالعنف الرمزي
بما هو إمعان في النيل من الروح البشرية قبل الجسد، يقول (..) بدلوا لأصحاب الأحكام بالسجن ملابسهم المدنية بملابس السجناء الإجبارية: سترة و سروال أبيضين بخطوط سوداء.قميص داخلي أبيض باهت مصنوع من قماش أكياس الطحين، و صنادل ذات قيعان مصنوعة من إطارات العجلات (..)
و هو يسرد ما حصل معه، يعرب بما لا يبقي مجالا للشك ،عما ينطوي عليه هكذا نهج من (..) أهداف جد محددة : معاقبة المدان (أو المدانة) وجعله يعيش بالتحديد مواقف مؤلمة ،مزعجة ، قاسية ، مهينة (..)
(9) تلطيف غمة السجن
ليست غمة السجن بالنهاية غير ما يقوم عليه وضع الاعتقال من حرمان شامل ،لعل رأس الرمح في ما يكشف عنه السارد في سيرة باكيطا و المورو هو انعدام العلاقة الحميمية،مما يحيل الحرمان المدوخ إلى غمة كاوية. لا يلم بها الفرد إلا لتعمق وحشته. و أمام هول المحنة، كان إدريس يفكر بما يعيش على علته غير المتزوجين من رفاقه. لأنه، وطلية السنوات السبع الأولى لاعتقاله بالسحن المركزي بالقنيطرة ، رأى في زوجته لوسيل طيف نجدة ، و بسلم ما ينتهك حرمة نفسه من ندوب، كلما تكلس بأثر منها الجهاز العصبي المركزي للسجين ،تصبح خطرا محدقا ، قد يتهدد عقله. فبالنسبة له، كانت لوسيل تبادله الرسائل، و يجعل كلاهما الآخر في قلب عالمه الخفي . أما زيارتها المنتظمة، فمواعيد لوجد معلق بين حاجة محروس وعيون حارس ليس بهاماء. فهذا و غيره، يلطف من حرمانه و يعطي لروحه بعض من سلوى الحياة العادية. يقول السارد عن لوسيل (..) كتبت له رسائل حب، كانت تؤكد أنها تفكر فيه ، و كانت تجلب له ما يطلبه منها،و تقول له أنها ستنتظره إلى أن يخرج من السجن (..) غير أن للواقع العنيد أحكامه الخاصة .دلك أن المعتقل إدريس ابن باكيطا (..) بدء يلاحظ أن زياراتها لم تعد بنفس الحنان ، و أنها لم تعد تتجاوب بنفس الطريقة الصريحة و المشعة و التلقائية (..) متخيلا أن حبه كان يتبخر شيئا فشيئا، و لكن يلاحقه تهوس غير قابل للعلاج (..) لقد خلف انفصاله عن (لوسيل) فراغا استحال إلى رُهاب.
التعليقات مغلقة.