حينما تحولت الدار البيضاء إلى عاصمة للمسرح الجامعي الدولي 

الانتفاضة

بقلم سمير السباعي/ عدسة أيوب أعواج

أعلنت الدار البيضاء  مساء يوم الجمعة 28 يوليوز 2023 بالمركب الثقافي مولاي رشيد عن اختتام مهرجانها للمسرح الجامعي الدولي في دورته الخامسة والثلاثين، والذي انطلقت فعالياته الاثنين الماضي تحت شعار “المسرح والعوالم الافتراضية”.  وقد شكل هذا العرس الثقافي الدولي الذي نظمته كلية الآداب و العلوم الإنسانية ابن مسيك المتواجدة بنفس المدينة  بشراكة مع عدد من المؤسسات العمومية والخاصة، بعدد من المراكز الفنية والثقافية والجامعية المتواجدة بتراب مقاطعات العاصمة الاقتصادية للمملكة  محطة مهمة للاحتفال بالفعل المسرحي في ارتباط مع ما تطرحه الرقميات الجديدة من تحديات على مستوى  الممارسة المسرحية اليوم في شكلها التقليدي المتعارف عليه. لقد كان  رهان اللجنة المنظمة لهذه الدورة  قويا من أجل تأكيد قيم التواصل الحضاري بين الشعوب و إغناء التجربة المسرحية الجامعية المغربية عبر فتح قنوات اتصال و تواصل بينها وبين عدد من الممارسات المسرحية لجامعات أخرى من العالم، خصوصا أن التيمة التي تم اختيارها كشعار لهذا الحدث المسرحي الدولي “المسرح والعوالم الافتراضية” قد فرض نفسه بقوة كقضية أساسية، حاول من خلالها المنظمون مقاربة علاقات الممارسة المسرحية التقليدية بما يشهده العالم اليوم من ثورة رقمية يتسارع فيها التطور بشكل كبير جدا نحو احتلال الذكاء الاصطناعي لمساحات واسعة من فعلنا الإنساني. وقد بدى الأمر مطروحا بقوة في النقاش الذي تم فتحه خلال الندوة الفكرية التي احتضنتها يومه الخميس 27 يوليوز 2023 صباحا بكلية الآداب والعلوم الإنسانية ابن مسيك حينما حاول مختصون وفاعلون مسرحيون التساؤل حول مستقبل الفعل المسرحي اليوم على الخشبة في ظل السلطة الواسعة التي يفرضها حاليا هذا الزخم الرقمي للعوالم الافتراضية مع الحديث عن الإمكانيات المطروحة لكي تستفيد الممارسة المسرحية نفسها  من انفتاحها على هذا الأفق الرقمي الجديد قصد إنتاج فن مسرحي متشبع بالقواعد المتعارف عليها في هذا المجال  لكن مع اتصاله الحتمي مع هذا التطور في أدوات التعبير الرقمية الحالية.

وحقيقة لا يمكن لأي فاعل مسرحي أو إعلامي أو تربوي إلا أن يشيد بالمبادرة التي قامت بها اللجنة المنظمة حينما قررت أن تخصص مساحة داخل فقرات هذه الدورة لتكريم عدد من الأسماء المسرحية الجامعية في المغرب و الذين ساهموا في الـتأسيس للدرس المسرحي داخل الحرم الجامعي المغربي وهم الأساتذة ميلود بوشايد و محمد فراح و قاسم العلوي العجلاوي  في لحظة اعتراف ليس فقط بمساهمة هؤلاء في صناعة الممارسة المسرحية داخل الجامعة المغربية و إنما كتقدير  أيضا للتألق  التاريخي الذي منحه مسرح الهواة بالمغرب كفضاء ممارسة أولي صنع جيلا من الرواد المسرحيين الذي جعلوا من المسرح مادة للدرس الجامعي تنظيرا و ممارسة و منهاجا بل و أفقا فنيا لا تستقيم دروس الفن والجمال دون حضوره.

وقد احتلت المحترفات التكوينية المرتبطة بالفن المسرحي هي الأخرى لها حيزا داخل فعاليات هذا الحدث الثقافي الدولي، من خلال برمجة ثلاث ورشات لفائدة الطلبة وجمهور المهتمين من العموم من تأطير عدد من المشتغلين بالمسرح مغاربة و أجانب حاولوا أن يقدموا بشكل عام التقنيات الأساسية للمسرح سواء على مستوى العمل الجسدي و الإدارة الصوتية و فن الإلقاء فوق الخشبة أو على مستوى الجانب الدرامي في الفن المسرحي المرتبط بأبعاد الحركة والسكون وصولا إلى تعلم أساسيات قواعد التعبير الكوميدي فوق الخشبة. 

في المقابل فقد سبق أن  اختار المهرجان دعم العروض المسرحية المبرمجة خلال هذه الدورة و المقدم من طرف طلبة عدد من الكليات الوطنية والدولية بعرض مسرحية “بورتري” للفرقة المحترفة بصمات للفن خارج المسابقة، و هي مسرحية حاولت أن تنتصر على مستوى الموضوع للبوح و الحكي لسيدة فضلت أن توثق مسار حياتها الدرامي بمساعدة كاتب صحفي  بشكل خلق توترا و حوارات بين شخوص المسرحية داخل فضاء إخراجي و  سينوغرافي  اختار حسب أستاذ المسرح أنوار حساني أن يعتمد تقنية الفلاش باك و ديكور رمزي يوحي إلى ما تعيشه البطلة من سجن في الحاضر و نوستالجيا البيت في الماضي عبر دمج مؤثرات صوتية كان لها الوقع الفني  الكبير عند المتلقي.

و قد تنوعت باقي العروض المسرحية شكلا و مضمونا و  التي تم برمجتها للتباري طيلة أيام المهرجان خلال هذا الأسبوع بين من اختار اللوحات كأسلوب لعرض مشاهد من معاناة الإنسان وبين من نهل من الأسطورة اليونانية و التاريخ موضوعا لمناقشة قضايا الحاضر إلى جانب أشكال مسرحية أخرى. لكن في الأخير استقر رأي لجنة التحكيم برئاسة الفنان محمد الشوبي على منح الجائزة الكبرى للمهرجان خلال هذه الدورة للفرقة الجامعية التابعة لكلية العلوم ابن مسيك عن عرضها المسرحي “جفاف الجلد المصطبغ” الذي طرح قضايا فلسفية وإنسانية عميقة انطلقت أساسا من تسليط الضوء على قصة معاناة شخصين مصابين بداء “أطفال القمر” و ما طرحه هذا الأمر من تحدي وجودي عليها قصد السعي وراء محاربة إقصائهما من طرف المجتمع. و يضرب المهرجان للجمهور موعدا السنة القادمة لمقاربة جديدة لفعلنا المسرحي الجامعي المغربي في اتصال بالتجارب الأخرى على صعيد المسرح العالمي.  

التعليقات مغلقة.