زمن الانحطاط الأخلاقي

الانتفاضة /ياسمين السملالي
أصبح الانحطاط الاخلاقي شطارة والمحتوى الفارغ مهارة ومن العادي جدا أن نرى فتيات نكرات الجنسية نجمات الشاشة العربية، وليس غريبا أن تصبح (دياب وهيفاء وهبي وكلين) قدوات الأغلبية.
فعندما أصبحت (القمامة البشرية) تعطي للأجيال العربية دروسا في الأمور التربوية فلا تستغرب إذا أصبح التافهون أبطال الساحة الذكية يروون قصصا عن الكفاح والنجاح، كيف لا وقد قاربوا وصول العالمية كما انه لا يجب ان تتفاجأ بجماعة المقالب والتجارب الاجتماعية أن يصبحوا أرباب الميادين الاعلامية لماذا؟ لأننا أصبحنا ببساطة في عصر الانحطاط والتفاهة عصر تحاضر فيه ميا خليفة في أضخم الجامعات العالمية وغذت فيه سفيهة وضيعة تقرع شعبا كاملا وهي أدنى من أن تعرف حرفا في الأبجدية.
يبدو انهم غارقون في البحث عن (اللايكات)، ومشاهدات مربحة، ولن ننسى الصحافة الصفراء التي تروج للسفاهة والقبح الأخلاقي، عصر انقلبت فيه الضوابط والحدود، وتلاشت فيه الملامح والمفاهيم، عصر العهر والدعارة والتفاهة، عصر السماجة والرقاعة، عصر الرخص والخلاعة، فهل ذلك محض صدفة أم أن هناك ما يدفع هذه الظواهر من القاع الى القمة؟.

ان مواقع التواصل الاجتماعي أحدثت لتلبية حاجات البشرية للاطلاع، ومتابعة أخبار العالم، والانفتاح على الآخرين، ومشاركة وتبادل المعرفة بسرعة وسهولة مع جمهور واسع، والتواصل دون حواجز البعد والزمن. تلك المواقع أضحت وسيلة للتسلية والترفيه والتثقيف والتطوير في العالم إلا عندنا في المجتمعات العربية والإسلامية، فبهذه الوسائل تفوق المجتمع العربي والاسلامي في التفاهة والرذيلة بأرقام قياسية، نشرنا التفاهة وبدل التواصل والانفتاح على الآخر جعلنا صفحاتنا ساحة للردع والقذف والتشهير ونشر القمامة الفكرية والمتاجرة بخصوصياتنا بقصد أو من غير قصد ( فين غادية؟ فين جاية؟ كيفاش كانجمع الدار؟ كفاش كندوش؟ وقتاش كنعس؟ فين كنعس؟ مخاصمة مع راجلي؟ جابلي راجلي كادو؟ مقلب الخيانة لزوجي )… والقائمة تطول بمنشورات بالملايين لمحتوى سخيف ليس له قيمة ولا هدف.
والأخطر من هذا تحويل هذه المواقع من نافذة للتعبير عن ثقافتنا وحضارتنا وتميزنا الانساني الى ساحة حرب قذرة ضاربة أخلاقنا وخصوصيتنا وقيمنا وعادتنا وتقاليدنا بحجة حرية التعبير و بدلا من أن تكون هذه المواقع منبرا مؤثرا لفنانين واعلاميين ومثقفين لقيادتنا و توجيهنا نحو بناء مجتمعنا وحل مشاكلنا ونشر العدالة والسلام والأخلاق لكن بالعكس من ذلك استخدمها بعضهم بوقا يوميا لنشر الإهانة، والتحرش، والاساءة للهوية الثقافية، والحضارية واغتصابها لجمع (اللايكات)، وخلق (الترندات) والاسترزاق بالمحتوى الهابط لتصبح وسائل التواصل أمكنة لطرح الغالي والرخيص دون مراجعة أو رقابة. فأين الاخلاق من ذلك؟ واين وجه المنفعة من هذا؟ هل حقا أصبح هؤلاء (المثقفين) منسلخين من الاخلاق والمبادئ حتى النخاع؟ فو الله يعجز اللسان عن توصيف المشهد وتستحي المفردات عن الإحاطة بالموضوع، والأعجب من هذا أنهم يرون في هذه القاذورات والسخافات ابداعا ويعتبرون أنفسهم مؤثرين ومشهورين وأصحاب رأي ومشورة وهم في الحقيقة ليسوا سوى ألعاب مهجورة ومأجورة.
لعل قائلا يقول أن السخافة والسفاهة انتشرت بفعل الانترنيت و (السوشيل ميديا) فأقول ان التفاهة لعبة نشأت قبل ذلك بكثير منذ أن استباحت المنابر الاعلامية والثقافية أشخاصا لا يفقهون من الحرف الا رسمه، ينتجون ويخرجون ويكتبون القصص والحكايات والافلام ويغنون كلمات وألحانا تحاكي ذوقهم الرديء وأراءهم القبيحة وبدأوا بعد ذلك في بثها وتلويث عقول الناس على منصاتهم ليلا ونهارا حتى أضحت محركا للذوق العام.
فالمنطق يقول ان تكرار الممنوع يروج له ويجعله مستهلكا، وأفكار الانسان معظمها حصيلة ما يسمع ويرى، ومن هنا ينطلق تجار الفن من كتاب ومخرجين ومنتجين وممثلين ومطربين في تقديم منتوج هابط تحت مسمى الجرأة وعكس الواقع كما هو دون هدف أو رسالة، سوى كسب المشاهدات والا عجابات وذلك بتعرية الفنانات، وبث المشاهد الغريزية ناهيك عن التسويق للإجرام والعنف والدعارة، عبر تبييض صور أبطالها على أنهم ضحايا ظروف انسانية قاهرة، كل ذلك يتم على تقديمه لنا كوجبات صباحية ومسائية دون رقابة ولا ضوابط.

في النهاية يجب أن نعلم أن كل هذه الحشود من السفهاء والتافهين الذين سطع نجمهم في الآونة الاخيرة هم أداة لتحطيم الحضارة العربية، وهم أناس مختارون بعناية لتنفيذ ما يفعلونه يوميا جاهلين أنهم أداة تدمير للشعب الذي ينتمون اليه ومن جهلهم وعدم وعيهم لا يفقهون ذلك، علما أن هناك وسائل اعلام صممت بعناية فائقة وخبث للسيطرة علينا وتخديرنا وتشتيتنا لإبقائنا في الحيز الأدنى من الوعي نتحرك وفق ردود أفعال لا واعية لنكون فريسة سهلة ولقمة في فك المجرمين والمستغلين من صناع القرار العالمي.
ويؤسفني الاخبار بأننا على أشراف مصيدة العالم الحديث، فان كنا اليوم نستطيع المقاومة ولو لشيء بسيط، فإننا في الغد لن يكون بمقدورنا مجرد التفكير وحتى التفكير سيسلبوننا إياه، وسيعطوننا أمخاخا متلبدة لا تحتوي سوى على صور للعاهرات والسافلات والراقصات، واذاننا لن نسمع بها الا اصوات العنصريين والطائفيين، وعيوننا لن نرى بها الا السواد والظلام.
وان سألتني عن الحل فسأقول لك ان الحل يكمن في العودة للذات النورانية في داخلنا لاكتناز العلم، فان جمعه منفعة واعطاؤه مرفعة فهو النهج السليم، والسراط القويم، كما أوصي بالتزام الأخلاق، وضبط الشهوات، وتأطير الرغبات فان في انفلاتها مهلكة، وفي طغيانها مقتلة مع البحث عن سبل التميز والتعلم والنجاح حتى يصبح المجتمع فاعلا ومتفاعلا وليس مفعولا به وكل زمن انحطاط وأنتم…؟؟؟.

التعليقات مغلقة.