الدار البيضاء تختم مهرجانها الكوميدي على وقع  استمرار السؤال حول آفاق إضحاك المغاربة

الانتفاضة/بقلم: سمير السباعي

 عدسة: أيوب أعواج

في إطار فعاليات مهرجان كوميديا الحي المحمدي في دورته الثانية و الذي نظم من طرف مقاطعة الحي المحمدي بالدار البيضاء  بتنسيق مع جمعية أهل الخلود ، أيام 28 و 29 و 30 ابريل 2023 . تم بقاعة سنيما  ميراج الكائنة بإقامات الموحدين بالعاصمة  الاقتصادية للمملكة ، يومه الاحد 30أبريل 2023 على الساعة الثامنة مساء، إقامة  الحفل الختامي لهذا العرس الثقافي الذي احتفى بالفعل الكوميدي على مدار ثلاثة أيام، بعدد من الفضاءات الثقافية التابعة للحي المحمدي. صحيح أن هذا الحفل و قياسا إلى الحضور الجماهيري الغفير الذي عرفه، من خلال توافد عدد من المتفرجين من مختلف الأعمار و نظرا للإشعاع  الفني الذي رافقه، فإنه عبر عن نجاح مهرجان كوميديا الحي المحمدي بالدار البيضاء  في دورته الثانية  في صناعة حدث ثقافي كان له صداه الإعلامي الواضح بنسبة كبيرة،  خاصة على  مستوى العروض الكوميدية  التي تم تنظيمها على مدار الثلاثة أيام للمهرجان بنفس سينما الميراج لفائدة عدد من المتبارين الهواة للكوميديا الذين تم منحهم الفرصة للكشف عن مؤهلاتهم في صنع الفرجة الكوميدية عبر لقاء مباشر مع الجمهور.

لكن يجب التأكيد على  أن المهرجان في دورته الثانية، وحسب عدد كبير من المتتبعين قد ساهم بشكل كبير في الاحتفاء بالكوميديا المغربية من خلال في فتح نقاش عمومي حولها، حاول أن يناقش  حاضرها اليوم  بين بعدي التنظير الاكاديمي  والممارسة العملية. حيث شهدت  فضاءات الخزانة البلدية والمركب الثقافي المتواجدة  بتراب مقاطعة  الحي المحمدي بالدار البيضاء، عقد عدد من اللقاءات العلمية والندوات الفكرية إلى جانب ورشات تكوينية لها علاقة بالفن الكوميدي.

كل هذا بحضور و مشاركة مجموعة من الاسماء الوازنة في سماء الفن والثقافة اليوم بالمغرب أمثال، أحمد طنيش وحسن نرايس و إدريس كسرى والفنانين حسن فولان  إدريس الروخ  و محمد الحوضي إلى جان أخرين، في لحظة ثقافية تماهى فيها الدرس الأكاديمي بالنقاش الفني. وقد أعطت هذه الفقرات المهمة التي نظمت على هامش المهرجان قيمة مضافة لهذا الأخير، خصوصا أنها احتفت بشكل ملحوظ بالفرجة الكوميدية في المغرب اليوم، من خلال محاولات  مقاربتها علميا وفكريا و تكوينيا،  سواء من خلال الندوات الفكرية و اللقاءات العلمية المباشرة مع الجمهور، أو من  خلال ما تم تقديمه داخل ورشات تكوينية، من دروس تطبيقية  حاولت أن تلامس أشكال الكوميديا الممكنة اليوم، مرورا بالحديث عن محددات الإبداع الكوميدي، وصولا إلى درس تطبيقي في فن الارتجال. وهي ورشات استفاد منها مجموعة من الطلبة و الباحثين والهواة من ممارسي الفن الكوميدي. الأمر الذي جعل منها جسرا  شعبيا للتواصل مع   الكوميديا بين بعدها المعرفي و بين رهانها العملي. ضمن هذا الإطار، و في نقاش إعلامي  مفتوح له على هامش المهرجان، مع  مجموعة من طلبة محترف المعرفة والممارسة الصحفية بكلية الاداب والعلوم الإنسانية ابن مسيك، المؤطر من طرف الإعلامي  و الكاتب أحمد طنيش. 

أشار السيناريست  والمسرحي إدريس كسرى في  معرض جواب له على سؤال أحد الطلبة المتعلق بمدى أهمية حضور الدرس الأكاديمي في تكوين الكوميديين الجدد، إلى أن جانب التكوين اليوم يجب أن يكون مسألة مؤسساتية، و مطلبا ملحا، خصوصا أنه  ينسجم والسياق العالمي الجديد الذي فرض نفسه بقوة منذ أواسط العشرينات من القرن الماضي. و الذي يؤكد على أهمية حضور قسم دراسي خاص بالكوميديا سواء، داخل مدرجات كليات الفنون أو كمعطى بحثي يمكن  الاشتغال عليه في إطار ما يسمى مجموعات البحث العلمي. و  في جواب اخر له عن سؤال حول حدود  استثمار الموروث الثقافي  المغربي  اليوم  لإنتاج نصوص كوميدية لها طابعها الراهني. أكد الباحث المسرحي إدريس كسرى أن الأمر ممكن وضروري، خصوصا إذا تجاوزنا منطق التجميع و التركيب إلى عملية توظيف علمي   وفني لهذا التراث. مستحضرا في هذا الإطار التجربة الكوميدية  “الكوبل” للفنان حسن الفذ و الفنانة دنيا بوطازوت التي لا تعدو  ممارسة ثنائية  للإضحاك متجذرة في موروثنا الثقافي الشعبي، منذ ثنائيات “لوطا وبعاو” و القدميري وبوشعيب البيضاوي ضمن مسار طويل من الإنتاج الكوميدي، الذي اعتمد  في السابق على توظيف علاقة الرجل بالمرأة في المجتمع المغربي، ضمن  تمثلات كانت غالبا ما ترفع من شأن الرجل داخل هذا النص الكوميدي على حساب قصور المرأة.

أما الآن فالعقل الجمعي للمغاربة حسب كسرى خاصة على مستوى الخطاب أصبح يرفض هذا النوع من التمثل، الذي يعطي تسلطا معينا للرجل موجه ضد المرأة. مفهوم آخر كان حاضر بدوره هذا الحوار المفتوح بين كسرى و مجموعة من طلبة الجامعة المغربية، وهو التمايز في الفعل الفكاهي بين كل منطقة و أخرى داخل المغرب. على اعتبار أن ما سيضحك هنا ليس بالضرورة سيضحك هناك، في إشارة إلى تدخل التمثل للمنجز الفكاهي المقدم سواء كان نكتة أو دعابة أو سخرية بالإضافة إلى  درجة التلقي و التفاعل للمتلقي، مع الخطاب الفكاهي في تشكيل ما يمكن أن  تسميته بالتمايز المجالي للفكاهيات، عبر مجموع المناطق المغربية. فما يضحك حسب كسرى سكان مراكش ليس هو ما يضحك قاطني العرائش، ما يدعو حسب نفس الباحث إلى ضرورة حضور الحس الوطني المشترك لدى الممارسين للكوميديا،  في إنتاج فعل كوميدي قادر أن يخاطب الجميع. مؤكدا أن الممارس الكوميدي هو رهين  لحظة زمانية و سياق مكاني معين، دون أن يكون هذا عائقا طبعا في  إمكانية رسم معالم ممارسات كوميدية قادرة، على أن تكون لها جنسية عالمية نظرا لأن الضحك هو فعل وجودي إنساني. زاوية نقاش أخرى حضرت بدورها في هذا النقاش المفتوح، هو السؤال حول الأدوار التي من الممكن أن تمارسها الفرجة الكوميدية المتصلة بشكل مباشر مع الجمهور الآن، في ظل واقع ثقافي جديد أصبحت فيه الوسائط الرقمية الجديدة تفرض فيه،  ما يسمى بكوميديا  الشاشة، حيث أكد كسرى أن الكوميديا في معناها اللغوي الأصلي “كوماديا” حسب التعبير اليوناني، هي  تلك الجوقة أو الصخب المحدث لكثير من الحركة  الفرجوية المرتبطة شرطا بوجود الاخر المتفرج في نفس مكان العرض. وبالتالي فالفرجة الكوميدية اليوم تفقد كثيرا من مضمونها حينما يتم عرضها عبر وسيط رقمي أو إلكتروني خصوصا إذا علمنا، حسب نفس المتحدث أن اللقاء المباشر بين الكوميدي و جمهوره، يمكن أن يشكل شحنة لحظية  قادرة على أن  تمده بمواقف، قابلة للاستثمار الفني في أعمال كوميدية أخرى. و بالتالي فالكوميديا ستظل في خصيصتها الرئيسية حسب كسرى موضوع تفاعل و اتصال مباشر، بين الممارس للفن الكوميدي والجمهور ضمن منظور تلقي يؤكد على شرطية وجود الاخر، بشكل مباشر و مدى توليد هذا الأخير للضحك كمعيار أساسي يمكننا من  قياس  نجاح هذا العرض الكوميدي أو ذاك. للإشارة فحفل اختتام المهرجان عرف تكريم كل من الفنانة السعدية أزكون و الفنان الكوميدي محمد ظهرا، في لحظة اعتراف حظيت بإشادة واسعة، أما عن الاسم الذي احتل الرتبة الأولى في مسابقة العروض فهو مروان نمالسي بإجماع لجنة التحكيم التي تشكلت في عضويتها،  من الفنان  حسن فلان كرئيس و الفنانة السعدية أزكون كعضو والمخرج رشيد زكي كمقرر. في حين  جاء الثنائي سمية و أميمة في الرتبة الثانية، بينما احتل الرتبة الثالثة عبد السلام السهباوي. وقد  عرف هذا الحفل فقرات موسيقية قدمها كل من رشيد باطما ويوسف بوروش وفرقة فن النزاهة، أما عن التنشيط فكان من طرف كل من جواد الخودي و توفيق اجبوب. وقد أشار قبل نهاية هذا الحفل  طارق الخلدي مدير مهرجان كوميديا الحي المحمدي، إلى أن هذا الأخير في دورته الثانية قد تم إهدائه إلى روح الفنان الراحل مصطفى خلدي.

التعليقات مغلقة.