ماذا بعد الموت المأساوي للفنان أحمد جواد!! ؟

الانتفاضة

بقلم : محمد السعيد مازغ

في اليوم الوطني للمسرح، ونحن نتطلع إلى الاحتفاء بنساء ورجال الخشبة بالطريقة المغربية التي لا تخلو من كرم الضيافة وحفاوة اللقاء، وتقديم هدايا تليق بمقام نساء ورجال الوزارة الوصية على قطاع الثقافة. يصدمنا المشهد المروع، المشهد الذي لا ترضاه لعدوك، وبالأحرى لمن تعتبره قدوة، وتَعُدُّه من الطبقة المُتَنَوِّرَة في المجتمع، مشهد أقدم فيه الفنان المسرحي أحمد جواد على إضرام النار في جسده على مرأى ومسمع من الشهود، ومن المنتسبين لوزارة الثقافة والشباب والتواصل بالرباط ، معلنا بذلك، أن لهيب النار، ابرد على الجسد من حر المعاناة والشعور بالحكرة، موجها رسالة شديدة اللهجة للعالم أجمع، مفادها  ما آلت إليه الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للعديد من الفنانين المسرحيين المغاربة بصفة عامة، الذين ينتهي بهم المطاف إلى التسول أو هجر الركح ومعاقبة الذات على اختيارها الغير موفق، لمجال تختلط فيه الضحكة بالدموع، والإعجاب بالشفقة، عالم بواجهة جذابة تبهر الناظرين ، ووراء الأكمة ما وراءها.. تناقضات بالجملة ، دعم حاتمي حد الثخمة، مقابل إجحاف وتجاهل وجفاء وغبن.. وصيحات من حنجرات مبحوحة تنادي وتطالب بتكافئ الفرص وسيادة مبدأ المساواة في الحقوق والواجبات.

انهار جسد أحمد جواد متأثراً بحروقه، وانتشرت صورة جسده المفحم عبر قنوات التواصل الاجتماعي والمواقع الإخبارية،قبل أن ينقل إلى مستشفى ابن سينا لتلقي العلاجات الضرورية، لكن فات الأوان، وأغلق الكتاب .. “إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة، ولا يستقدمون”.. .

رحل أحمد جواد دون أن ينطق ببنت شفة، لم تمهله الحروق البليغة لسرد أدق التفاصيل والأسباب التي دفعته للإقدام على وضع حد نهائي لحياته، وبتلك الوسيلة القاسية التي اختارها لوضع نهاية لحياته بعد عمر طويل من خدمة الثقافة والفن المسرحي بمسرح محمد الخامس بالرباط الذي كان يشتغل فيه قيد حياته قبل أن يحال على التقاعد، ويحظى بالمعاش الهزيل في أكتوبر 2021.

قبل تنفيذ ما خطط له الفنان أحمد جواد قيد حياته، صدر عنه بعض التلميحات التي تكشف اضطرابه النفسي، وشدة الألم الذي ألم به، ولكن وللأسف لم تجد صداها داخل الوسط الفني ومحيط الفنان، فحسب ما يتداوله نشطاء قنوات التواصل الاجتماعي انه استنجد بالوزير قائلا :” معالي الوزير.. إني أتسول” ٠ وقال أيضا :” صدقوني لم أعد أحتمل كل هذا العذاب واعذروني على ما سأقدم عليه في القادم من الأيام..

الإحساس بالاقصاء  والحيف والتمييز ، والضغوط النفسية، والجفاف المادي واليأس، وعوامل أخرى سائدة ومتداولة داخل أوساط الفنانين تجعل الفنان يفقد توازنه خاصة إذا لم يكن يتوفر على مدخول إضافي قار يقيه شر السؤال والحاجة . وإذا كان الفنان العامل النشيط يواجه مجموعة من المثبطات والعراقيل التي تعيق الإنتاج المسرحي، عوض الإسهام في التحفيز والتشجيع من أجل إنجاز عمل متميز وهادف. فما بالك بقيدومي الفنانين الذين لم يشملهم النظام الجديد، أولئك الذين أعطوا الكثير للفن المسرحي، والعروض الإذاعية والتلفزية، وكل ذلك لم يشفع لهم حين تمَكَْن منهم المرض، وعاشوا ظروفا صحية صعبة، هؤلاء الفنانين لم يطلبوا سوى التكفل بمصاريف العلاج، وبعض الإعانات الضرورية.. فاصطدموا بالواقع المر الذي لا يرحم، فكان الموت أحيانا أهون من قساوة الزمن، وجفاء الأصحاب وتجاهل المقربين، وبخل الإدارة.. 

اتذكر بعض الفنانين الذين سقطوا ضحية أمراض مزمنة، وأمراض سرطانية تستدعي مصاريف علاجية باهضة، وعمليات جراحية معقدة، فلم تكن لهم تغطية صحية، ولا رعاية وتكفل من الوزارة الوصية، فظلوا يعانون في صمت.. لم تكن لهم الجرأة على قتل النفس التي حرم الله، ولا الرغبة في الاستجداء، ولا في استمروا على تلك الحال إلى أن وافتهم المنية.

إن الوزارة الوصية على قطاع الثقافة ملزمة بحماية الفنانين ودعمهم ماديا ومعنويا، وتشجيع مكتب حقوق المؤلف وتمكينه من الآليات التي تساعده على القيام بمهامه أحسن قيام من أجل تأمين حاجيات الفنان والمبدع، وحماية حقوقه المشروعة

التعليقات مغلقة.