الشيوعي الأول والأخير في قلعة تزارت

0

الانتفاضة 

في مستهل هذا الأسبوع، رحل عن هذه الدنيا الفانية، الرفيق سي عبد الرحمان سعدان، المناضل التقدمي الاشتراكي. كان فقيدنا، رجل مبادئ، لم يبدّل ولم يغيّر. وليس ذلك بغريب، فهو ينحدر من أسرة طيبة، ورث منها ما يعرف في مجتمعنا الأمازيغي بـ “تيݣورما”. وليست “تيݣورما” نسبا، بل هي مقام. وقد ظل هذا المقام في أسرة الفقيد متوارثا، ينتقل من سلف إلى خلف. وكان والده سيدي مالك، إذا اعتلى ظهر دابته ومرّ بالدواوير، تلقّاه الناس إجلالا وتوقيرا.فمن كان عنده مريض عرضه عليه، فيكون في نفثه شفاء، بقوة إيمان المريض به، ومن ألمّت به حاجة طلب دعاءه، ومن نشب بينهم نزاع، احتكموا إليه، فيقضي بينهم وهو على ظهر دابته لا يبرحها. وكان يعود إلى داره والخرجان على دابته عامرين بهدايا محبيه الذين يبجلونه. وكان من المتوقع أن يسير سي عبد الرحمان على نهج أجداده ووالده؛ أن يكون فقيها أو داعية، و”أݣرام” مباركا، يمتطي دابته كما فعل والده، ويطوف بالدواوير، ويداوي الناس بنفثه ودعائه، ويعود إلى بيته والخرجان عامرين. لكنّ سي عبد الرحمان أبى أن يكون نسخة من آبائه. فتخلّى عن الموروث الكهنوتي ل”إيݣرامّن”، وعن بركتهم المزعومة، ولم يرض أن يستثمر في إيمان البسطاء بالخرافات. و اعتنق سي عبد الرحمان، إيديولوجيا لم يسبقه إليها أحد من أسرته، ولا من أهل قلعة تزارت قاطبة.

عندما زرت السي عبد الرحمان أول مرة في بيته، كان في الغرفة التي استضافني فيها صندوق من الكارتون، بلا غطاء. تبرز منه بعض الكتب والمجلات. ومنذ صغري، إذا رأيت كتابا أو مجلة لا أتحكم في نفسي. فلم أنتظر الإذن. هجمت على الصندوق وقلبت فيه. فوجدت عناوين لم أر مثلها، من قبل، لا في منزلنا، ولا في المدرسة العتيقة في قريتنا. لم يكن هناك كتب فقه ولا دين. بل وجدت كتبا عن الاشتراكية والماركسية اللينينية. ووجدت كتيبا عنوانه “البيان الشيوعي”. ووجدت أعدادا كثيرة من “مجلة المبادئ” ، وأعتقد أن حزب التقدم والاشتراكية، هو من كان يصدرها، قرأت بعض المقدمات وبعض الكلمات. ولكني لم أفهم شيئا. وعندما أردت العودة إلى قريتنا، طلبت من سي عبد الرحمان أن يعيرني بعض تلك الكتب والمجلات. وكانت المفاجأة السعيدة. فقد سلم لي الصندوق كله. وبعد سنوات من ذلك، وقد قرأت ودرست كثيرا، وأصبحت قادرا على استيعاب مضامين تلك الكتب التي أهدانيها رفيقنا، عدت إليها.

وغرقت في مطالعتها، مدة طويلة. وهناك اكتشفت الفكر الشيوعي. وكان ذلك زلزالا كبيرا في حياتي. لأني قبلها لم أكن أقرأ إلا كتبا دينية وأدبية، وحينئذ عرفت السر، وفهمت كل شيء. فهمت لماذا سار سي عبد الرحمان في طريق غير طريق آبائه. في تلك الكتب اكتشفت الإيديولوجيا التي اعتنقها سي عبد الرحمان. لقد كان مناضلا شيوعيا. وآمن أن “البركة الموروثة” التي يتحدث عنها الناس ليست إلا خرافة. وأن “الأسرار الكهنوتية” التي يزعمها ” إيݣرامن” ، ليست إلا وسيلة للسيطرة على عقول البسطاء. وحسب علمي، فإن ثقافة سي عبد الرحمان السياسية ومفاهيمه الاشتراكية والشيوعية لم يأخذها من الكتب، وإنما تلقاها من احتكاكه بالرفاق، ومن حضوره الدائم لإجتماعاتهم وندواتهم وتجمعاتهم، تكونت لديه ثقافة كبيرة. وحتى الكتب التي أهدانيها، أعتقد أنها كانت هدايا من رفاقه ومن الحزب. ومن سي عبد الرحمان سمعت لأول مرة مثل هذه المقولات: “التحليل الملموس للواقع الملموس” “لا ثورة بدون نظرية ثورية” “النضال الطبقي محرك التاريخ” إن الانتماء للأحزاب السياسية في المغرب لا يأخذه الكثيرون على محمل الجد. وتغيير الحزب عند كثير من الناس أهون من تغيير القميص. وقليل هم أولئك المتحزبون العقائديون المبدئيون الذين لا يتغيرون. ومن هؤلاء القلة كان سي عبد الرحمان. إنه أقدم عضو منخرط في حزب التقدم والاشتراكية. من مقتبل شبابه إلى موته ظل مخلصا وفيا لهذا الحزب. لم يغيره ولم يبدله. ولابد من الإشارة هنا لأمر مهم.

سي عبد الرحمان لم يستفد شيئا من السياسة. ولم يستفد شيئا من الحزب. لم يكن يناضل من أجل مصلحة، ولا من أجل منصب، ولا من أجل جاه. بالنسبة له كان الحزب أكثر من سياسة. كان عقيدة. كان إيمانا اعتنقه بقلبه كله. كان يترك مشاغله، وأسرته، ومصالحه الشخصية ويضحي بكل شيء من أجل أن يحضر اجتماعا، أو نشاطا حزبيا. وكان يصرف من جيبه الخاص، ولا ينتظر مقابلاً. سي عبد الرحمان كان رجل مبدأ. وليس رجل مصلحة كما جرت العادة في كل الأحزاب. وهنا أقول بلا أي مبالغة: سي عبد الرحمان يستحق تكريما. يستحق أن ينحني له حزب التقدم والاشتراكية احتراما. لأنه كان من القلائل الذين دخلوا الحزب في مقتبل شبابهم وظلوا فيه أوفياء حتى آخر ثانية من عمرهم.

وسيكون من النكران، ومن الجحود أن يتجاهل الرفاق في حزب التقدم والاشتراكية رفيقهم سي عبد الرحمان الذي وهب للحزب شبابه وشيبه وعمره كله. وإذا أردنا أن نقارن سي عبد الرحمان، بمن يسمون أنفسهم سياسيين اليوم في قلعة تزارت، فنحن نظلمه ظلما شنيعا، وكأننا نقارن الذهب بالتراب. نقارن الشرف بالوسخ. هؤلاء الإنتهازيون في قلعتنا، الذين يتاجرون باسم السياسة، ويتسلقون على جماجم البؤساء والمساكين، ويبحثون عن الامتيازات والصفقات والكراسي. ليس هناك اليوم في جماعة تزارت كلها، رجل سياسة، من طينة سي عبد الرحمان. عاش ومات فريدا. كان الشيوعي الأول والأخير في قلعة تزارت.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.