أزمة ثقة تعصف بتشكيل المجلس الوطني للصحافة: الفيدرالية المغربية لناشري الصحف تندد بإقصاء 69 ملفا

0

الانتفاضة/ ابراهيم أكرام 

في وقت كان يُفترض أن يشكل محطة لإرساء تعددية حقيقية وتمثيلية متوازنة داخل مؤسسة التنظيم الذاتي للصحافة بالمغرب، تحول مسار إعادة تشكيل المجلس الوطني للصحافة إلى بؤرة جدل جديدة، بعدما فجرت الفيدرالية المغربية لناشري الصحف أزمة ثقة عميقة مع اللجنة المؤقتة المكلفة بممارسة مهام المجلس. فبعد أسابيع من الاستعداد والانخراط الجاد في عملية الانتداب، وجدت الفيدرالية نفسها أمام قرار وصفته بـ«الصادم»، يقضي برفض 69 ملفا من أصل الملفات التي تقدمت بها المؤسسات الصحافية المنضوية تحت لوائها، في تطور يعيد إلى الواجهة تساؤلات جوهرية حول شفافية معايير القبول، ومدى التزام الجهات المشرفة على العملية بمبادئ الإنصاف وتكافؤ الفرص بين مختلف الفاعلين في المشهد الإعلامي الوطني. ويأتي هذا التطور ليضع مسار بناء المؤسسة التمثيلية للمهنة على المحك، في ظل اتهامات متبادلة وغياب واضح لقنوات التواصل بين الأطراف المعنية، ما ينذر بتعقيد إضافي لملف ظل منذ سنوات محل نقاش حاد داخل الوسط الصحافي المغربي.

مواجهة مفتوحة بين الناشرين واللجنة المؤقتة

دخلت عملية إعادة تشكيل المجلس الوطني للصحافة في المغرب منعطفا جديدا من التوتر، بعدما أعلنت الفيدرالية المغربية لناشري الصحف رفضها القاطع لقرار اللجنة المؤقتة المكلفة بممارسة مهام المجلس، والذي قضى برفض 69 ملفا من أصل الملفات التي تقدمت بها المؤسسات الصحافية المنضوية تحت لوائها للمشاركة في عملية انتداب ممثلي الناشرين. وجاء هذا الموقف في بيان رسمي صادر عن المكتب التنفيذي للفيدرالية، اعتبر فيه أن طريقة تدبير العملية برمتها تطرح أكثر من علامة استفهام حول مدى التزام اللجنة بمبادئ التعددية والتمثيلية التي يفترض أن تقوم عليها مؤسسة التنظيم الذاتي للمهنة.

ولم تتردد الفيدرالية في وصف القرار بأنه امتداد لما تعتبره نهجا ممنهجا لإقصائها من مسار بناء المجلس، معبرة عن استيائها الشديد مما سمته محاولات للتحكم في التركيبة النهائية لهذه المؤسسة التي يُفترض أن تجسد استقلالية القطاع وتنوعه.

مسار مضطرب سبق صدور القرار

بحسب رواية الفيدرالية، فإن الأشهر أو الأسابيع التي سبقت الإعلان عن النتائج اتسمت بغياب شبه تام للتواصل المباشر مع اللجنة المؤقتة. فقد أكدت الهيئة المهنية أنها لم تحظ بأي رد على طلباتها المتكررة لعقد لقاءات تنسيقية، كما لم تعين، وفق تصريحاتها، أي جهة رسمية داخل اللجنة تتولى التواصل معها بخصوص الملفات والوثائق المطلوبة، وهو ما تعتبره خللا إجرائيا جوهريا أثر على سير العملية برمتها.
وتشير الفيدرالية إلى أنها لم تدخر جهدا في الاستعداد لهذا الاستحقاق، إذ أعدت ما مجموعه 74 ملفا لفائدة المؤسسات الصحافية الأعضاء فيها، تضمنت عشرات الوثائق الداعمة، ما جعلها- بحسب تقديرها- من بين الهيئات المهنية التي قدمت أكبر عدد من الملفات ضمن عملية انتداب ممثلي الناشرين، وهو ما تراه دليلا على جديتها والتزامها بمسار إصلاح المؤسسة.

من ست نواقص إلى 69 ملفا مرفوضا في أقل من 48 ساعة

تكشف تفاصيل البيان عن تسلسل زمني مثير للجدل. فقد قبلت اللجنة المؤقتة، في مرحلة أولى، مشاركة الفيدرالية باعتبارها منظمة مهنية مستوفية للشروط القانونية. غير أنها عادت لاحقا، بعد دراسة ملفات المقاولات الصحافية التابعة للفيدرالية، لتخطرها بوجود نواقص تخص ست ملفات فقط، وهو ما بادرت الفيدرالية إلى تداركه يوم الأحد 7 شتنبر الجاري.

لكن المفاجأة، بحسب المصدر ذاته، جاءت في مساء اليوم نفسه، حين توصلت الفيدرالية بمراسلة جديدة من اللجنة تفيد هذه المرة بوجود نواقص في 69 ملفا، مع مطالبتها باستكمال كل الوثائق المطلوبة في نفس اليوم. واعتبرت الفيدرالية أن هذا التحول المفاجئ في حجم الملاحظات، إلى جانب ضيق الوقت الممنوح، يعكس طريقة غير ملائمة إطلاقا في تدبير عملية بهذا الحجم والأهمية، مشيرة إلى أن ممثليها اضطروا للبقاء بمقر اللجنة إلى ما بعد الرابعة عصرا من أجل استكمال ما أمكن تقديمه من وثائق.

وفي مسعى لتدارك الأمر، وجه رئيس الفيدرالية مراسلة إلى رئيس اللجنة المؤقتة عبر فيها عن استغرابه الشديد من هذه المستجدات، طالبا منح مهلة إضافية مدتها يومان لدراسة الملاحظات بشكل دقيق، إلى جانب تعيين مخاطب رسمي داخل اللجنة يتكفل بتوضيح الإشكالات المرتبطة بكل ملف على حدة. غير أن الفيدرالية أكدت أنها لم تتلق أي رد على هذا الطلب.

ورغم ذلك، واصلت الهيئة المهنية جهودها الذاتية، وتمكنت صبيحة وبعد زوال يوم الاثنين 8 شتنبر من تقديم ملفات ووثائق تخص نحو ستين مقاولة صحافية، حاصلة على وصولات رسمية تثبت عملية الإيداع، في محاولة أخيرة لإنقاذ أكبر عدد ممكن من الملفات.

قرار نهائي صادم: خمس مقاولات فقط من أصل العدد الإجمالي

غير أن كل هذه الجهود لم تثمر، إذ أصدرت اللجنة المؤقتة، في اليوم نفسه، قرارها النهائي القاضي بقبول خمس مقاولات صحافية فقط من أصل الملفات المقدمة من طرف الفيدرالية، مقابل رفض 69 ملفا، وهي نسبة اعتبرتها الفيدرالية غير مفهومة وتطرح إشكالات جدية مرتبطة بمعايير دراسة الملفات وكيفية تطبيق شروط الانتداب، خصوصا أن عددا من المؤسسات التي شملها الرفض تستفيد أصلا من الدعم العمومي المخصص للصحافة وفق الشروط القانونية المعمول بها نفسها.

ملاحظات تقنية مثيرة للجدل

من بين أبرز النقاط التي أثارتها الفيدرالية، تلك المتعلقة بوثائق التصريح لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي وأداء الاشتراكات، مذكرة بأن الدولة المغربية تتكفل بأداء هذه المستحقات لفائدة قطاع الصحافة منذ سنة 2020، وهو ما يجعل- بحسب تقديرها- الاحتجاج بهذا العنصر كسبب للرفض أمرا يستدعي التوضيح. كما أشارت إلى وجود وثائق ضمن بعض الملفات لم تحتسب من طرف اللجنة رغم توفرها، فضلا عن حالات سجلت فيها ملاحظات تتعلق بصحافي واحد فقط داخل المؤسسة، رغم أن هذه الأخيرة كانت تتوفر، حسب الفيدرالية، على العدد الكافي من الصحافيين المستوفين للشروط.

أسماء ثقيلة في لائحة المستبعدين

شملت لائحة الملفات المرفوضة، بحسب المعطيات التي كشفت عنها الفيدرالية، عددا من المؤسسات الإعلامية المعروفة على الساحة الوطنية، من بينها جرائد «العلم» و«لوبينيون» و«البيان» و«بيان اليوم» و«الحركة» و«الأيام» و«الأيام 24» و«اليوم 24» و«المنتخب» و«لوديسك» و«يا بلادي» و«النهار»، إضافة إلى عدد من الصحف الجهوية الصادرة من مناطق مختلفة، لا سيما الأقاليم الجنوبية للمملكة، ما يعني أن الأزمة لا تقتصر على مؤسسة أو تخصص إعلامي بعينه، بل تمس شرائح واسعة من المشهد الصحافي الوطني.

دعوة إلى التدخل ورفض قاطع للإقصاء

في ختام بيانها، جددت الفيدرالية المغربية لناشري الصحف تأكيدها رفضها القاطع لما وصفته بـ«إقصاء» عدد كبير من الناشرين من عملية بناء مؤسسة تمثيلية يفترض أن تعكس تنوع المشهد الإعلامي الوطني، معلنة عزمها اللجوء إلى كل الوسائل القانونية والمهنية المتاحة لمواجهة هذا القرار. كما وجهت نداء إلى مختلف الهيئات المهنية والشركاء المعنيين بحرية الصحافة واستقلالية التنظيم الذاتي، داعية إياهم إلى التدخل العاجل لضمان التعددية الفعلية داخل المجلس الوطني للصحافة، باعتبارها الضامن الأساسي لمصداقية هذه المؤسسة وشرعيتها.

سياق عام مشحون بالجدل

لا يمكن قراءة هذه الأزمة بمعزل عن السياق العام الذي رافق مسار إعادة تشكيل المجلس الوطني للصحافة منذ انطلاقه، فالمؤسسة التي أُحدثت أصلا لتكون آلية للتنظيم الذاتي للمهنة، بعيدا عن أي وصاية حكومية أو تدخل خارجي، لطالما شكلت موضوع جدل متكرر بين مختلف مكونات المشهد الإعلامي الوطني، سواء تعلق الأمر بالصحافيين المهنيين أو بالناشرين أو حتى بالجهات الوصية. فمنذ صدور القانون المنظم لها، ظلت مسألة التمثيلية داخل هيئاتها تطرح إشكالات متجددة، بين من يرى أنها يجب أن تعكس التعدد الفعلي للفاعلين في القطاع بمختلف أحجامهم وتوجهاتهم، ومن يعتبر أن معايير معينة، تقنية أو قانونية، ينبغي أن تحكم عملية الانتداب بصرامة لضمان جدية التمثيل ونزاهته.
وقد سبق لعملية تجديد هيئات المجلس أن عرفت في محطات سابقة نقاشات مماثلة، تمحورت حول شروط الترشح ومعايير قبول الملفات، وسط اتهامات متكررة من هيئات مهنية مختلفة بغياب الشفافية الكافية في تدبير هذه المحطات المفصلية. كما لا يخفى أن قطاع الصحافة المكتوبة والإلكترونية بالمغرب يمر منذ سنوات بأزمة بنيوية متعددة الأبعاد، اقتصادية ومهنية على حد سواء، ترتبط بتراجع الموارد الإعلانية التقليدية، وصعوبة التكيف مع التحولات الرقمية المتسارعة، وهشاشة الوضعية المادية للعديد من المؤسسات الصحافية، وهو ما يجعل مسألة التمثيل داخل المجلس الوطني للصحافة أكثر حساسية، باعتباره الفضاء الذي يفترض أن يدافع عن مصالح المهنة ويسهر على تطبيق ميثاقها الأخلاقي وضمان استقلاليتها.

وتزداد حساسية اللحظة الراهنة بالنظر إلى أن نتائج عملية الانتداب الحالية ستحدد ملامح التركيبة الجديدة للمجلس لسنوات مقبلة، ما يجعل أي إخلال بمبدأ التعددية أو أي غموض يشوب معايير القبول والرفض قابلا لأن يترك أثرا ممتدا على مصداقية المؤسسة برمتها وعلى قدرتها على الاضطلاع بأدوارها التنظيمية والرقابية. ويرى مراقبون للشأن الإعلامي أن استمرار هذا النوع من الخلافات بين الهيئات المهنية والجهات المشرفة على تدبير المرحلة الانتقالية قد يضعف من فرص إرساء مجلس قوي ومتوافق عليه، في وقت يحتاج فيه القطاع أكثر من أي وقت مضى إلى مؤسسة تنظيمية موحدة وممثلة فعليا لجميع مكوناته، قادرة على مواكبة التحديات المتلاحقة التي يواجهها الإعلام المكتوب والرقمي في المغرب.
وبينما تتعالى الأصوات المطالبة بإعادة النظر في مسار العملية برمتها، أو على الأقل بفتح قنوات حوار جادة بين مختلف الأطراف، تبقى الكرة الآن في ملعب الجهات المشرفة على اللجنة المؤقتة، التي يُنتظر منها تقديم توضيحات كافية بشأن المعايير المعتمدة في دراسة الملفات، بما يعيد الثقة إلى مسار لا يزال، بحسب العديد من الفاعلين، بحاجة إلى مزيد من الشفافية والانفتاح لضمان خروج المجلس الوطني للصحافة في نسخته الجديدة بأكبر قدر ممكن من التوافق والمشروعية المهنية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.