العيون تحاكم السرديات أمام العالم «جوهرة الصحراء» تقلب طاولة الخطاب الحقوقي

0

الانتفاضة/ سيداتي بيدا 

في العيون، ثمة معارك لا تخاض بالبيانات ولا بالشعارات، وإنما تحسم في الميدان. وحين تطأ أقدام وفد دولي فضاءات التنمية والتكوين، يصبح الواقع نفسه وثيقة مفتوحة، ويغدو من الصعب اختزال قضية كاملة في سرديات جاهزة تُدار من خلف المكاتب.

وفي هذا السياق، اكتسبت زيارة الحقوقية الأمريكية تريسا ماك كوردي، مساء الإثنين 31 غشت 2026، إلى مركز التربية والتكوين بحي «القسم 1»، أهمية تتجاوز بعدها البروتوكولي، بعدما أتيحت للوفد فرصة معاينة جانب من البرامج التي تقدمها جمعية «جوهرة الصحراء» برئاسة السيدة امكملتو كمال.

المشهد هنا يستحق التوقف:

فبعيداً عن صخب السجالات السياسية، تقدم الجمعية نموذجاً يقوم على التكوين وبناء القدرات وخلق شروط الإدماج الاقتصادي للنساء. وهذه ليست مجرد تفاصيل اجتماعية هامشية، بل إحدى أكثر الأدوات فعالية في قياس جدية أي نموذج تنموي؛ لأن تمكين الإنسان من المعرفة والمهارة والقدرة على الإنتاج أكثر دلالة من عشرات الخطابات المنمقة.

والرسالة الأشد قوة أن الزائر الدولي لا يرى العيون من خلال عدسة واحدة. هناك نساء يتلقين التكوين، وبرامج تنفذ على الأرض، وتجارب اجتماعية قابلة للمعاينة. وبذلك ينتقل النقاش الحقوقي من منطقة الادعاء إلى منطقة الاختبار.

ومن منظور دبلوماسي، تكمن أهمية هذه الدينامية في قدرتها على إنتاج ما يمكن تسميته بـ«الدبلوماسية الميدانية»؛ أي جعل التنمية المحلية نفسها أداة للتواصل الدولي، وفتح المجال أمام الوفود الأجنبية لتكوين تصوراتها انطلاقاً من المعاينة المباشرة.

وإذا كانت بعض الجهات تراهن على إبقاء صورة الأقاليم الجنوبية أسيرة خطاب سياسي أحادي، فإن الميدان يفرض لغة أكثر تعقيداً، لغة المؤسسات، والتكوين، والنساء، والمبادرات المدنية، والفرص الاقتصادية. وقد شكلت إشادة ماك كوردي بمستوى الخدمات والآفاق المتاحة للمستفيدات، وفق المعطيات المقدمة، لحظة لافتة في هذه الزيارة، لأنها تعكس انطباعاً ناتجاً عن معاينة مباشرة لا عن قراءة نظرية.

حتى الملحفة الصحراوية التي قُدمت في ختام المحطة لم تكن مجرد تفصيل احتفالي؛ فقد اختزلت في رمز واحد علاقة التنمية بالهوية، وأكدت أن الانفتاح على العالم لا يعني التخلي عن الخصوصية الثقافية.

هنا تحديداً تكمن الرسالة الأكثر إزعاجاً للسرديات الجاهزة، الواقع حين يرى بالعين لا يمكن إعادة صياغته بالبيانات.

فالعيون لا تحتاج إلى معركة خطابية للدفاع عن صورتها؛ يكفي أن تفتح أبوابها أمام من يريد أن يرى، وحينها يصبح الميدان هو الخصم الأصعب لكل رواية لا تصمد أمام الاختبار.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.