تتابع الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بقلق بالغ وتنديد شديد التصعيد المتواصل في انتهاكات حقوق الإنسان والقانون الدولي، سواء في الأراضي الفلسطينية المحتلة، أو في عدد من البلدان في المنطقة، أو عبر توظيف العلاقات الدولية لحماية مرتكبي الانتهاكات وتقويض العدالة الدولية. وإذ تؤكد الجمعية أن حقوق الإنسان لا تتجزأ، فإنها تشدد على أن مواجهة الاحتلال والاستبداد والإفلات من العقاب والتطبيع مع منظومات القمع والاستعمار تظل جزءاً لا يتجزأ من النضال الحقوقي الديمقراطي.
أولاً: غزة والضفة الغربية… جرائم لا يغطيها وقف إطلاق النار
تدين الجمعية استمرار قوات الاحتلال الصهيوني في القصف المدفعي وإطلاق النار في مناطق متفرقة من قطاع غزة، ومواصلة خروقاتها الميدانية لوقف إطلاق النار، بما في ذلك استهداف المدنيين والمنشآت المدنية، وآخرها الغارة على مقهى في ميناء غزة، التي خلفت عدداً كبيراً من الشهداء والجرحى.
وتعتبر الجمعية أن وقف إطلاق النار لا يمكن أن يتحول إلى غطاء لاستمرار القتل أو إلى مرحلة جديدة من الانتهاكات منخفضة الوتيرة، وأن حماية المدنيين وضمان وصول المساعدات ووقف الحصار والاحتلال والتدمير مسؤولية دولية لا تقبل التأجيل.
كما تدين الجمعية احتجاز سلطات الاحتلال لجثامين فلسطينيين واستخدامها كورقة للمساومة، باعتبار ذلك امتداداً لسياسة الاختفاء القسري والعقاب الجماعي، وانتهاكاً جسيماً لحقوق الضحايا وعائلاتهم في معرفة مصير ذويهم ودفنهم بكرامة. وتطالب بالكشف الفوري عن مصير جميع المختفين قسراً وتسليم جثامين الضحايا إلى عائلاتهم.
وتعرب الجمعية عن بالغ القلق إزاء استمرار قتل واعتقال الأطفال الفلسطينيين في الضفة الغربية، حيث تشير معطيات منظمة اليونيسف إلى مقتل 174 طفلاً فلسطينياً منذ يناير 2024، ووجود أكثر من 355 طفلاً فلسطينياً من الضفة الغربية في إطار الاحتجاز العسكري. كما تدين ما يتداول بشأن إعداد قاعات لتنفيذ أحكام إعدام في حق أسرى فلسطينيين، وتؤكد أن أي إعدام خارج الضمانات القانونية، أو في سياق الاحتلال والاحتجاز التعسفي، يشكل جريمة تستوجب التحقيق والمساءلة.
ثانياً: مصر… لا لعقوبة الأقارب ولا للعقاب بالوكالة
تدين الجمعية موجة الاعتقالات التي طالت أفراداً من عائلات معارضين ونشطاء مقيمين خارج مصر، والتي تندرج، وفق تقارير حقوقية، ضمن نمط من «العقاب بالوكالة» واستهداف الأقارب بسبب النشاط السياسي أو الحقوقي لأفراد أسرهم.
وتؤكد الجمعية أن المسؤولية القانونية والسياسية شخصية، وأن اعتقال إنسان بسبب مواقف أو أنشطة أحد أقاربه انتهاك صارخ للحقوق والحريات الأساسية، وتطالب السلطات المصرية بالإفراج عن جميع المعتقلين على خلفية هذا النمط من الممارسات، ووقف سياسة الانتقام من العائلات.
ثالثاً: فلسطين ليست ورقة للمساومة الدولية
تعرب الجمعية عن قلقها إزاء إعلان فنزويلا إنشاء آلية للتنسيق القنصلي مع الكيان المحتل باعتباره خطوة يمكن أن تمهد لمسار تطبيع دبلوماسي يتناقض مع تاريخ التضامن الفنزويلي مع الشعب الفلسطيني ومع نضالات شعوب أمريكا اللاتينية ضد الاستعمار والهيمنة.
وتؤكد الجمعية أن التضامن مع فلسطين لا ينبغي أن يخضع لضغوط القوى الإمبريالية أو لموازين المصالح الدولية، وأن حق الشعب الفلسطيني في الحرية وتقرير المصير وإنهاء الاحتلال ليس موضوعاً للمساومة السياسية.
وفي الوقت نفسه، ترفض الجمعية أي توظيف للحقوق والحريات في خدمة الاستقطاب الدولي، وتؤكد أن مناهضة الإمبريالية والصهيونية لا تعني الصمت عن أي انتهاك لحقوق الإنسان، أياً كان مرتكبه.
رابعاً: المحكمة الجنائية الدولية تحت الحصار… والتضامن مع قضاة العدالة الدولية
تعبر الجمعية عن تضامنها الكامل مع مسؤولي المحكمة الجنائية الدولية في مواجهة الإجراءات الانتقامية والعقوبات التي تستهدف عمل المحكمة، وتضم صوتها إلى الدعوات الأممية المطالبة بحماية مسؤولي المحكمة ورفع العقوبات المفروضة عليهم.
إن استهداف المحكمة الجنائية الدولية كلما اقتربت من مساءلة المسؤولين عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية يمثل تهديداً خطيراً للنظام الدولي لحقوق الإنسان ولمبدأ المساواة أمام القانون.
وتخص الجمعية بالتضامن قضاة المحكمة ومسؤوليها الذين يتعرضون للضغط والتهديد بسبب قيامهم بواجبهم القضائي، وتؤكد أن القاضي الذي يطبق القانون الدولي لا ينبغي أن يكون هدفاً للانتقام السياسي، وأن استقلال القضاء الدولي جزء من حماية ضحايا الجرائم الدولية.
خامساً: تونس… الحرية لأعضاء أسطول الصمود
تطالب الجمعية السلطات التونسية بإنهاء اعتقال أعضاء أسطول الصمود، وبالإفراج الفوري عن كل من اعتُقل منهم تعسفاً، والكشف عن الأساس القانوني لاستمرار احتجازهم وضمان حقوقهم كاملة.
وتؤكد الجمعية أن التضامن المدني مع الشعب الفلسطيني ليس جريمة، وأن التعبير السلمي عن رفض الاحتلال والحصار لا يجوز أن يكون سبباً للاعتقال أو الملاحقة.
سادساً: مكتب الاتصال للكيان الصهيوني في شارع المهدي بن بركة… حين يصبح التطبيع اعتداءً على الذاكرة
تجدد الجمعية المغربية لحقوق الإنسان رفضها المبدئي للتطبيع مع كيان الاحتلال، سياسياً وعسكرياً وأمنياً واقتصادياً وثقافياً، وتعتبر أن استمرار هذا المسار يتعارض مع حقوق الشعب الفلسطيني في الحرية والاستقلال وتقرير المصير.
وتعتبر الجمعية أن إنشاء مكتب اتصال جديد للكيان الصهيوني المحتل في شارع يحمل اسم الشهيد المهدي بن بركة ليس مجرد إجراء إداري أو دبلوماسي، وإنما يحمل دلالة سياسية ورمزية عميقة، لأنه يضع تمثيلية دولة الاحتلال في فضاء يحمل اسم أحد أبرز رموز الحركة الوطنية والديمقراطية المغربية، الذي ارتبطت قضيته، وفق معطيات وتحقيقات تاريخية، بعملية اختطاف واغتيال اتُهمت أجهزة امبريالية وصهيونية، وفي مقدمتها الموساد، بالضلوع فيها.
إن اختيار هذا الموقع تحديداً، في ظل زيارة مسؤولين إسرائيليين للمغرب، ومن بينهم الوزيرة الإسرائيلية التي زارت مراكش، وفي سياق تعميق التعاون السياسي والعسكري والأمني، يمثل استخفافاً بالذاكرة الوطنية وبحق المغاربة في الحقيقة والعدالة في قضية المهدي بن بركة.
إن المهدي بن بركة ليس اسماً في شارع فحسب؛ إنه جزء من الذاكرة الديمقراطية المغربية. ولذلك فإن وضع عنوان لمؤسسة تابعة لدولة الاحتلال في هذا الفضاء يحمل، في نظر الجمعية، استفزازاً للذاكرة الجماعية ومحاولة لتطبيع حضور دولة الاحتلال داخل رموز الذاكرة الوطنية.
وتجدد الجمعية مطالبتها بالكشف الكامل عن الحقيقة في قضية اختطاف واغتيال المهدي بن بركة، وترتيب المسؤوليات عنها، ورفع كل أشكال الحماية عن المتورطين، كما تجدد رفضها لكل أشكال التطبيع السياسي والعسكري والأمني مع دولة الاحتلال.
إن الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، وهي تتابع هذه التطورات، تؤكد أن لا سلام حقيقياً دون عدالة، ولا عدالة دون مساءلة، ولا حقوق للإنسان مع الاحتلال والإفلات من العقاب.
وعليه، فإنها:
- تدين استمرار جرائم الاحتلال الصهيوني وانتهاكاته في غزة والضفة الغربية.
- تطالب بوقف فوري وحقيقي للقتل والحصار والتهجير، وحماية المدنيين وضمان حقوق الأسرى والمعتقلين.
- تطالب بالكشف عن مصير المختفين قسراً وتسليم جثامين الفلسطينيين المحتجزة إلى عائلاتهم.
- تدعو إلى حماية المحكمة الجنائية الدولية وقضاتها ومسؤوليها من كل أشكال الانتقام والضغط.
- تطالب بالإفراج عن المعتقلين بسبب تضامنهم السلمي مع الشعب الفلسطيني، وفي مقدمتهم أعضاء أسطول الصمود.
- تدين سياسة العقاب بالوكالة واستهداف عائلات المعارضين والنشطاء في مصر.
- ترفض أي مسار تطبيعي مع دولة الاحتلال، أياً كانت الجهة أو المبررات.
- تطالب بإعادة الاعتبار للذاكرة الوطنية المغربية، والكشف الكامل عن الحقيقة في قضية المهدي بن بركة، ووقف توظيف اسمه وفضائه الرمزي في خدمة التطبيع.
- وتؤكد الجمعية أن فلسطين ليست قضية خارجية، والعدالة ليست انتقائية، والذاكرة الوطنية ليست مجالاً للتطبيع، وحقوق الإنسان لا تخضع للمساومة.