الانتفاضة
لم يعد الحديث عن الانتخابات التشريعية المرتقبة في شتنبر 2026 يقتصر على الأحزاب التي ستتقدم في عدد المقاعد فقط، بل بدأ النقاش يتجه تدريجياً نحو سؤال آخر لا يقل أهمية الا وهو: من سيكون على رأس الحكومة المقبلة؟
وبين قيادات حزبية جديدة، ووزراء راكموا تجربة داخل دواليب الدولة، وأسماء تحاول فرض حضورها في المشهد السياسي والإعلامي، تتشكل ملامح سباق يبدو مفتوحاً على أكثر من احتمال.
وتبعاً لقراءة نشرتها مجلة “جون أفريك”، فإن المنافسة على رئاسة الحكومة لا تدور فقط حول البرامج الانتخابية وأسماء الأحزاب وشعبيتها، بل أيضاً حول الشخصيات التي تمتلك القدرة على قيادة المرحلة المقبلة، في ظل رهانات اقتصادية واجتماعية وسياسية متزايدة.
التجمع الوطني للأحرار… قيادة جديدة وأسئلة حول مرحلة ما بعد أخنوش
بعد انتخاب محمد شوكي رئيساً لحزب التجمع الوطني للأحرار، دخل الحزب مرحلة جديدة تختلف عن تلك التي قادها “عزيز أخنوش” طوال السنوات الماضية. فالقيادي الجديد الذي ينحدر من إقليم بولمان، راكم تجربة واسعة في عالم الأعمال قبل أن يتدرّج داخل هياكل الحزب، ليصل أخيراً إلى رئاسته، مستفيداً من تنظيم حزبيّ يعد ُّمن بين الأكثر قوة وانتشاراً على الصعيد الوطني، ناهيك عن شبكة واسعة من المنتخبين والأعيان.
فمن جهة، يعتبر عدد من المتابعين للشأن السياسي، أن انتخابه يعكس رغبة الحزب في الحفاظ على استمرارية المشروع السياسي الذي قاده “أخنوش” أي داخل صبغة المال والأعمال والإستثمار، خصوصاً أن الأخير، ما يزال يحظى بحضور مؤثر داخل الحزب رغم مغادرته رئاسته.
لكن، في المقابل، يواجه “شوكي” تحدياً أكبر يتمثل في محدودية حضوره الإعلامي، وغياب تجربة مباشرة في تدبير الملفات الحكومية الكبرى، وهو ما يجعل كثيرين ينظرون إليه باعتباره امتداداً للقيادة السابقة، أكثر من كونه شخصية سياسية مستقلة فرضت نفسها داخل المشهد الوطني.
لذلك، ورغم أن التجمع الوطني للأحرار يبقى من أبرز المرشحين للمنافسة على صدارة الانتخابات، فإن وصول “شوكي” شخصياً إلى رئاسة الحكومة يظل، وفق القراءة ذاتها، أقل ترجيحاً.
ومن داخل ذات الحزب، يسبرز اسم “نادية فتاح العلوي” باعتباره أحد أكثر الأسماء حضوراً في النقاش السياسي. فالوزيرة الحالية للاقتصاد والمالية، وخريجة HEC Paris، راكمت تجربة هامة في قطاع المال والأعمال قبل التحاقها بالحكومة سنة 2019، كما اكتسبت خبرة واسعة في إدارة الملفات الاقتصادية والمالية ذات الحجم الحكومي، وحضوراً داخل المؤسسات المالية الدولية.
ويرى متابعون أن “نادية فتاح العلوي” بالذات، تمتلك مؤهلات تجعلها من أبرز الأسماء القادرة على قيادة السلطة التنفيذية، خاصة في ظل التحولات الاقتصادية التي يعرفها المغرب، غير أن محدودية امتدادها داخل التنظيم الحزبي، وضعف حضورها الإعلامي مقارنة بقيادات أخرى، يبقيان من بين أبرز التحديات التي تواجهها، والتي تبقيها في خانة الإحتمال المتأرجح.
الأصالة والمعاصرة… أكثر من اسم وسؤال واحد: من يقود الحزب إلى رئاسة الحكومة؟
على الضفة الأخرى، يدخل حزب الأصالة والمعاصرة غمار الانتخابات وهو يعتمد قيادة جماعية تضم كلا من “فاطمة الزهراء المنصوري” و “مهدي بنسعيد”، في تجربة حزبية استثنائية، نظنها سعت إلى تدبير المرحلة دون الارتهان إلى زعيم واحد.
وتبقى “المنصوري”، التي تجمع بين رئاسة مجلس جماعة مراكش ووزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، من أبرز الشخصيات داخل الحزب، بل إن اسمها يتردد باستمرار ضمن المرشحين المحتملين لرئاسة الحكومة، وقد يشكل وصولها إلى هذا المنصب سابقة سياسية إذا أصبحت أول امرأة تقود حكومة مغربية من خلال المسار الحزبي.
في المقابل، يمثل “مهدي بنسعيد” وجهاً سياسياً من الجيل الجديد، استطاع أن يفرض حضوره داخل الحكومة من خلال قطاع الشباب والثقافة والتواصل، ويُنظر إليه كأحد القيادات التي تراهن على خطاب أكثر قرباً من الأجيال الصاعدة.
وعلى نفس النهج، يبرز اسم “يونس السكوري” ضمن الشخصيات التي تحظى باهتمام داخل الحزب، بالنظر إلى تجربته في تدبير ملفات اجتماعية واقتصادية معقدة، وفي مقدمتها الحوار الاجتماعي وملفات التشغيل، إذ يستند حضوره إلى تكوين أكاديمي في الهندسة وعلوم التسيير، وإلى تجربة في إدارة ملفات تفاوضية، أظهرت قدرته على تقريب وجهات النظر بين الحكومة والشركاء الاجتماعيين.
ورغم هذه الأسماء، فإن الحزب لا يزال يواجه تحدي توحيد مواقفه الداخلية، كما أن الجدل الذي يرافق بعض قياداته يجعل هوية الشخصية التي قد يدفع بها إلى رئاسة الحكومة، في حال تصدره الانتخابات، مسألة لم تُحسم بعد.
السباق يبدأ قبل الانتخابات… والحسم يبقى لصناديق الاقتراع والتحالفات
وتخلص القراءة إلى أن المنافسة على رئاسة الحكومة المغربية تبدو أكثر انفتاحاً من أي وقت مضى، إذ تتقاطع فيها اعتبارات التجربة والكفاءة والحضور الحزبي والإعلامي، وكذا القدرة على كسب ثقة الناخبين.
غير أن نتائج الانتخابات لن تكون وحدها الفيصل في تحديد اسم رئيس الحكومة المقبل، فالتجربة السياسية المغربية أظهرت في أكثر من محطة أن التحالفات التي تعقب الاقتراع، والتوازنات التي تُبنى بعدها، قد تكون حاسمة بقدر أهمية عدد المقاعد التي يحصدها كل حزب.
وبين أحزاب تسعى إلى تجديد قياداتها، وأخرى تراهن على وزراء راكموا تجربة في تدبير الشأن العام، يبقى شهر شتنبر 2026 موعداً حاسما، سيحدد ليس فقط الحزب الذي سيقود الأغلبية، بل أيضاً الشخصية التي ستتولى قيادة الحكومة في مرحلة تتسم بتحديات داخلية وخارجية متزايدة، وانتظارات تنموية ذات ابعاد اقتصادية ايضا داخلية وخارجية.