الانتفاضة/ عبد الصمد بنعباد
احتفى كثير من قصار النظر باعتذار بنكيران عن عبارة “شي قندوح”، واعتبروه هزيمة سياسية، و”تجباد ودنين” أخلاقي، بل كان بعض الإخوان أكثر طربا بهذا الاعتذار، فأحبوا إظهار الأمر “ضربة قاضية” لزعيم مشروع الإصلاح من الداخل.
يقضي العرف السياسي في المغرب، بأن كل مسؤول حزبي يعيش تحت رحمة “الإشارات” القادمة من فوق قبل “التعليمات”، غير أن قلة قليلة من الزعامات التاريخية كانت استثناء، واستحقت مكانها لدى الدولة والملوك، تماما كما لدى الشعب والناس.
المواقف القوية لم تكن فقط من نصيب زعامات النضال الراديكالي، بل كانت كذلك تصدر ممن يمكن وصفهم بالمؤيدين أو الداعمين، كعلال الفاسي، وعبد الكريم الخطيب، والمحجوبي أحرضان، وعبد الهادي بوطالب، بل وحتى وأحمد عصمان!
تبدل الزمن واستدار، وأصبح لدينا وزراء وزعماء أحزاب، يفرحون إذا كلفوا بشراء “الديطاي” (قصة حقيقية) لشخص يقدم نفسه صديقا لمستشار الملك، كما أن أصدقاء مستشاري الملك صاروا يقدمون أنفسهم كممثلين للدولة، بل ويظهر أحدهم مفاوضا باسم الدولة في ملف “اكديم إيزيك”، الذي تحمل الشهداء وأسرهم، والدولة وصورتها، الطريقة المأساوية لنهايته.
بعد تآكل حقبة الزعماء التاريخيين للأمة، طغى “أصدقاء” المستشارين على الحياة العامة، وأصبحوا سلطة فوق المؤسسات، وعرضوا حياة الشعب ومصالح الوطن للخطر، كان المفروض أن ينتفض من في قلبه بيعة وولاء لحماية الملكية والبلاد والعباد.
في زمن الضعف والخطر، تبلورت وجهة نظر حاولت تعليق الجرس، تنشد حفظ مكانة الملكية، وتنادي بحمايتها من نموذج حكم أصدقاء الأصدقاء، الخطير على البلاد والعباد، وتدعو لاعتماد مقاربة قائمة على استعادة الشراكة بين الملك والشعب خدمة للوطن.
في هذه المرحلة، حمل بنكيران أو حُمّل إرث الزعماء التاريخيين للمغاربة، وبعد صولات وجولات، ومعارك امتدت سنوات، توقفت بإبعاد بنكيران من الحكومة والحزب، وتعريض العدالة والتنمية للإهانة والإذلال.
كان المطلوب أن يدفن الجرس تحت رمال السياسة المتحركة، وتطوى صفحة الربيع، وتطفأ صحوة الشعوب، ثم يعود أصحاب الأصحاب للتحكم في رقاب الناس، وإدارة الدولة، والإشراف على ملفاتها الكبرى، بل وقيادة البلد للخراب، وتسريع وتيرة الارتطام بالحائط، دون مسؤولية ولا حسيب ولا رقيب.
إن المؤتمر الاستثنائي لحزب العدالة والتنمية لسنة 2021، انحاز لجواب واضح، نريد العمل مع الدولة، لا لأنا ضعفاء، بل نريد العمل معها لأن هذا حقها علينا، وهذا واجبنا تجاه الناس، كما أنه عهد على أنفسنا، لأنه تكليفنا الأخلاقي والشرعي. نريد العمل مع الدولة، وفق منهجنا ومنطقنا القائم على النصح، والصدق فيه، والصدع به.
هذا التحليل ينطلق من كونه يعالج وضعا “معقدا”، ويقترح جوابا “مركبا”، وبالرغم من أن بنكيران يتحدث بلغة شعبية وعفوية، فإنه في العمق يحاول تمليك هذه الفكرة المعقدة والحلول المركبة لأوسع الشرائح الاجتماعية.
لا يمكن قراءة الخرجة الأخيرة لبنكيران دون استحضار هذا التاريخ، وهذا الاختيار الفكري، المبني على محاولة التعاطي مع الوضع المعقد، والإجابة عليه بإجراءات مركبة، من بينها لغة الخطاب البسيطة والعفوية والشعبية.
استعمال بنكيران عبارة “شي قندوح” مبني على تحليل، لا يملكه وحده، بل تشاركه فئات واسعة من الشعب العميق، مفاده أن واجبنا مساعدة الدولة بما يخدم مصالحها، التي من بين مخرجاتها تعاون بلا وساطات بين الملك والشعب عبر ممثليه، فالشعب بايع الملك، والشعب جدير بالثقة.
يصدر بنكيران عن مَزْج غير معتاد وسط الطبقة السياسية الحالية، بين النظرية والممارسة، والفكرة والخطاب، كما يملك جرأة التعبير باللسان الشعبي عن الفكرة المركبة، هو بهذا يتجاوز “عقدة” المفكرين والمثقفين، الذين رغم تمكنهم من الفكرة وفهمها، فإنهم يواجهون صعوبات في شرحها وإفهامها.
لما وقع رئيس حزب العدالة والتنمية قرار التطبيع مع العدو، غامر بنكيران ليمنع لغما من الانفجار بين الدولة والحزب، تحرك وسط وضع معقد، وحل مشكلا مركبا بلغة بسيطة وشعبية، وإن كان “سياسيا أو انتهازيا” في غنى عن هذا.
لقد كان بنكيران وفيا لمشروعه الأخلاقي والسياسي، وهو يخرج “شي قندوح” من تحليله، فيعتذر عن العبارة، ويسحبها، ولكنه أبدا لم يراجع فكرته ولا تحليله.
ميزة أخرى، يجب استحضارها أيضا، قدرة بنكيران على تطويع لغته واستخدامها، فمرة يجعلها سلاحا، ومرة أخرى يجعلها طُعْما، ومرة ثالثة يتبرأ منها دون تردد.
تمثل “شي قندوح” محطة جديدة في معركة قديمة بين فئتين، جهة أولى تضم خائفين على الوطن من منطق “صديق صديقي الذي هو ليس صديقي”، وجهة ثانية، ترى قوة الدولة في احتكار السلطة وإدارة البلد بلا دستور ولا قانون ولا مؤسسات ولا شعب.