خديجة العماري وياسين الإدريسي يقودان “حليمة” إلى المجد العالمي

0

الانتفاضة/ ابراهيم السروت

حقق الفيلم المغربي “حليمة”  إنجازا جديدا للسينما الوطنية بعد فوزه بجائزتي أفضل مخرج وأفضل ممثلة ضمن الدورة الثامنة والعشرين من مهرجان شنغهاي السينمائي الدولي، أحد أبرز المهرجانات السينمائية المصنفة ضمن فئة “A” عالميا. ويأتي هذا التتويج ليؤكد المكانة المتنامية التي أصبحت تحتلها السينما المغربية في المحافل الدولية، وليمنح دفعة قوية لجيل جديد من المخرجين المغاربة الذين يراهنون على لغة سينمائية إنسانية قادرة على تجاوز الحدود الجغرافية والثقافية.

وشكل هذا الفوز محطة استثنائية في المسار الفني للمخرج ياسين الإدريسي، الذي يقدم من خلال “حليمة” أول فيلم روائي طويل في مسيرته، بعد سنوات من الاشتغال في مجال التصوير الصحفي وإخراج الأفلام الوثائقية والأفلام الروائية القصيرة. ولم يكن حضور الفيلم في مهرجان شنغهاي مجرد مشاركة عابرة، بل تحول إلى حدث سينمائي لافت بعد أن نجح في إقناع لجنة التحكيم والجمهور على حد سواء، ليحصد جائزتين مرموقتين في واحدة من أهم التظاهرات السينمائية في آسيا والعالم.

ويكتسب هذا الإنجاز أهمية إضافية بالنظر إلى أن السينما المغربية عادت من خلال “حليمة” إلى المسابقة الرسمية لمهرجان شنغهاي بعد غياب دام سبعة وعشرين عاما، منذ مشاركة فيلم “نساء ونساء” للمخرج سعد الشرايبي سنة 1999، وهو ما يمنح هذا التتويج بعدا رمزيا يتجاوز حدود الفوز الفردي، ليعكس تطور الصناعة السينمائية المغربية وقدرتها على المنافسة في كبرى المهرجانات الدولية.

ويحكي الفيلم قصة “حليمة”، وهي امرأة تبلغ من العمر ستة وثمانين عاما، تعيش حياة هادئة بالقرب من البحر رفقة زوجها، حيث تعتمد على جمع وبيع بلح البحر لتأمين قوتها اليومي. غير أن هذا الاستقرار الظاهري ينقلب رأسا على عقب بعد تلقيها اتصالا هاتفيا مفاجئا يعيد إليها ذكريات ماضٍ ظلت تحاول دفنه لسنوات طويلة، يتعلق بتورطها في تجارة القنب غير المشروعة بمنطقة الريف خلال مرحلة سابقة من حياتها.

ومن خلال هذه الحبكة، يطرح الفيلم أسئلة عميقة حول الذاكرة والذنب والمصالحة مع الذات، حيث لا يكتفي بسرد حكاية شخصية، بل يقدم تأملا إنسانيا في قدرة الماضي على الاستمرار داخل الإنسان مهما حاول الهروب منه. فالأحداث تتنقل باستمرار بين الحاضر وذكريات الماضي، لتكشف تدريجيا ملامح شخصية معقدة تحمل داخلها تناقضات الحياة، وتبحث عن الخلاص في مواجهة صعبة مع نفسها قبل مواجهة الآخرين.

ويؤكد المخرج ياسين الإدريسي أن فكرة الفيلم انطلقت من سؤال ظل يرافقه لفترة طويلة، وهو إلى أي حد يستطيع الإنسان أن يتحرر من ماضيه، وهل يمكن بالفعل أن يطوي صفحة الأخطاء السابقة أم أن آثارها تظل تلاحقه حتى نهاية حياته. ومن هذا المنطلق، جاء البناء السردي للفيلم قائما على التنقل بين الأزمنة، ليس باعتباره مجرد تقنية درامية، وإنما وسيلة للكشف عن التحولات النفسية التي تعيشها الشخصية الرئيسية.

ويحرص الإدريسي على الابتعاد عن الأحكام الأخلاقية الجاهزة، إذ لا يقدم “حليمة” باعتبارها مجرمة أو ضحية، وإنما كإنسانة وجدت نفسها في ظروف اجتماعية واقتصادية معقدة فرضت عليها خيارات لم تكن بالضرورة ترغب فيها. ولذلك فإن الفيلم لا يسعى إلى إدانة الشخصية، بقدر ما يحاول فهمها، واستكشاف دوافعها الإنسانية، وهو ما يمنح العمل بعدا فلسفيا يتجاوز الحكاية المباشرة.

ويبدو واضحا أن تجربة المخرج السابقة في التصوير الصحفي تركت بصمتها على رؤيته السينمائية. فقد أمضى سنوات طويلة متنقلا بين مناطق المغرب المختلفة، محتكا بحياة الناس اليومية، الأمر الذي أتاح له التعرف على قصص وشخصيات واقعية شكلت لاحقا مصدر إلهام لأعماله الفنية. لذلك تبدو شخصيات “حليمة” قريبة من الواقع، بعيدة عن التصنع أو المبالغة، وكأنها امتداد لحكايات عاشها المخرج بنفسه خلال رحلاته المهنية.

ويكشف الإدريسي أن شخصية “حليمة” استلهمها من نساء التقى بهن في مناطق مختلفة من المغرب، كما استوحى بعض ملامحها من جدته التي تحمل الاسم نفسه، وهو ما منح الشخصية عمقا إنسانيا وصدقا عاطفيا انعكس بوضوح على الشاشة.

واعتمد الفيلم على لغة بصرية واقعية تقوم على استخدام الإضاءة الطبيعية والصوت المحيطي، مع تقليل التدخلات التقنية قدر الإمكان، في محاولة للاقتراب من الحياة اليومية للشخصيات. ويؤكد المخرج أنه كان يبحث عن سينما تراقب الواقع أكثر مما تصنعه، وتمنح الشخصيات حرية التعبير عن نفسها داخل فضائها الطبيعي، دون أن تفرض عليها الكاميرا حضورها.

كما لعب اختيار أماكن التصوير دورا مهما في بناء العالم البصري للفيلم، إذ جرى تصوير مشاهده بين أزرو وطنجة والوليدية ومراكش، وهي فضاءات تختلف جغرافيا وثقافيا، لكنها تشكل معا خريطة رمزية للمراحل المختلفة التي تعيشها البطلة، بحيث يعكس كل مكان جانبا من حالتها النفسية وتحولاتها الداخلية.

ولم يكن النجاح الذي حققه الفيلم منفصلا عن الأداء اللافت للممثلة خديجة العماري، التي توجت بجائزة أفضل ممثلة عن دورها في الفيلم، في أول بطولة سينمائية طويلة لها بعد سنوات من تقديم أدوار ثانوية في أعمال مختلفة. ويعد هذا التتويج اعترافا بموهبة ممثلة استطاعت أن تقدم شخصية معقدة بحساسية عالية، وأن تنقل للمشاهد مشاعر امرأة تعيش صراعا داخليا بين الرغبة في النسيان واستحالة الهروب من الماضي.

ويؤكد ياسين الإدريسي أن اختيار خديجة العماري لم يكن وليد الصدفة، بل جاء بعد سلسلة طويلة من اختبارات الأداء استمرت ثلاثة أيام بمدينة مراكش، حيث حرص على اختبار قدرتها على التفاعل مع الشخصية والارتجال والتعبير عن مشاعرها بعيدا عن الأداء التقليدي. ويعتبر أن الجائزة التي حصلت عليها تمثل ثمرة عمل طويل ومكثف، كما أنها تكشف عن طاقات تمثيلية مغربية تستحق فرصا أكبر في المستقبل.

واستغرق إنجاز “حليمة” نحو سنتين بين الكتابة والتحضير والتصوير، وهي فترة سمحت لفريق العمل بصقل مختلف تفاصيل المشروع، سواء على مستوى السيناريو أو الأداء أو المعالجة البصرية. ويؤكد المخرج أن هذا الزمن الطويل كان ضروريا حتى يخرج الفيلم بالشكل الذي يليق بالقصة التي أراد روايتها.

ويمثل “حليمة” بالنسبة إلى ياسين الإدريسي بداية مرحلة جديدة في مسيرته الفنية، لكنه في الوقت نفسه امتداد لتجربة سينمائية بدأت منذ سنوات من خلال الأفلام الوثائقية والأفلام القصيرة التي شاركت في أكثر من ثلاثمائة مهرجان دولي. فقد سبق لأعماله أن حضرت في مهرجانات مرموقة مثل مهرجان روتردام السينمائي الدولي، ومهرجان غوتنبرغ، ومهرجان القاهرة السينمائي الدولي، كما نال فيلمه الوثائقي “ياسين يذهب إلى سوريا” عدة جوائز دولية، فيما شارك فيلمه القصير “عسل وجبن قديم” في المسابقة الرسمية لمهرجان كليرمون فيران، أحد أهم مهرجانات الفيلم القصير في العالم.

ويعكس هذا المسار خبرة تراكمية مكنت المخرج من الانتقال بثقة إلى الفيلم الروائي الطويل، دون أن يتخلى عن أسلوبه القائم على الاقتراب من الإنسان والبحث في التفاصيل اليومية للحياة.

ومن جهة أخرى، يعكس نجاح “حليمة” التحولات التي تعرفها السينما المغربية خلال السنوات الأخيرة، إذ لم تعد تقتصر على الحضور في المهرجانات العربية والإفريقية، بل أصبحت تنافس بقوة في أهم التظاهرات الدولية، مستفيدة من تطور مستوى الكتابة والإخراج والتصوير، ومن ظهور جيل جديد من السينمائيين الذين يقدمون رؤى فنية مختلفة تنطلق من الواقع المغربي، لكنها تحمل أبعادا إنسانية كونية.

ويؤكد هذا الإنجاز أيضا أن الجمهور العالمي بات أكثر انفتاحاً على القصص القادمة من المغرب، خاصة تلك التي تقدم شخصيات حقيقية وأسئلة إنسانية مشتركة، بعيدا عن الصور النمطية أو المعالجات السطحية. فالفيلم لا يتحدث فقط عن امرأة مغربية، بل عن الإنسان في مواجهة ماضيه، وعن الشعور بالذنب، وعن الذاكرة، وهي موضوعات تتجاوز الحدود الثقافية والجغرافية.

وشهدت الدورة الثامنة والعشرون من مهرجان شنغهاي مشاركة 49 فيلما من 34 دولة ومنطقة، وجميعها قدمت عروضها العالمية الأولى، ما جعل المنافسة شديدة بين أعمال تمثل مدارس سينمائية متنوعة من مختلف أنحاء العالم. ولذلك فإن فوز “حليمة” بجائزتين رئيسيتين يعكس القيمة الفنية للعمل، ويؤكد أن السينما المغربية أصبحت تمتلك القدرة على فرض حضورها في أرفع المنافسات الدولية.

ولا يقتصر أثر هذا التتويج على الفيلم وحده، بل يمتد ليشكل رسالة إيجابية إلى المبدعين الشباب في المغرب، مفادها أن الرهان على الجودة الفنية والصدق الإنساني قادر على فتح أبواب المهرجانات العالمية، وأن القصص المحلية حين تروى بإبداع وإتقان يمكن أن تتحول إلى أعمال ذات صدى عالمي.

ويبدو أن رحلة “حليمة” الدولية لن تتوقف عند مهرجان شنغهاي، إذ من المنتظر أن يواصل الفيلم مشاركاته في مهرجانات دولية أخرى، مستفيدا من الزخم الذي صنعه هذا التتويج، في وقت يترقب فيه الجمهور المغربي موعد عرضه داخل القاعات السينمائية الوطنية.

وبهذا الفوز، يكتب “حليمة” صفحة جديدة في سجل السينما المغربية، ويؤكد أن الإنتاج الوطني بات قادرا على منافسة كبار صناع السينما في العالم، ليس فقط من خلال جودة الصورة والإخراج، بل أيضا عبر قوة الحكاية وعمق الشخصيات وصدق المعالجة الإنسانية، وهي العناصر التي جعلت من هذا الفيلم واحدا من أبرز الإنجازات السينمائية المغربية خلال عام 2026، ورسخت اسم ياسين الإدريسي وخديجة العماري ضمن الأسماء التي تستحق المتابعة في المشهد السينمائي العربي والدولي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.