الجمعية المغربية لحقوق الإنسان تستعرض حصيلة سنة من العمل الحقوقي وتخلد الذكرى السابعة والأربعين لتأسيسها

الانتفاضة/ جميلة ناصف
بمناسبة تخليد الذكرى السابعة والأربعين لتأسيسها، كشفت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان عن حصيلة عملها خلال الفترة الممتدة من يونيو 2025 إلى ماي 2026، مقدمة صورة عن سنة حافلة بالأنشطة الحقوقية والترافعية والتنظيمية، في سياق وطني ودولي اتسم بتعدد الملفات الحقوقية وتنامي التحديات المرتبطة بالحريات والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية. واختارت الجمعية لهذه المناسبة شعارا يلخص توجهها العام ومسارها الممتد منذ التأسيس، وهو: «47 سنة والجمعية شعلة النضال ضد الفساد والاستبداد وتحدي الحصار ومناهضة التطبيع».
وتعكس الحصيلة المعلنة، وفق المعطيات التي قدمتها الجمعية، اتساع مجالات اشتغالها وتنوع أدوات تدخلها، إذ لم يقتصر نشاطها على إصدار المواقف والبيانات، بل شمل العمل الترافعي والقانوني، ومواكبة الملفات القضائية، وتنظيم التحركات الاحتجاجية والتضامنية، وإعداد التقارير والمذكرات الحقوقية، فضلا عن الحضور في المحافل الدولية والانخراط في شبكات حقوقية عابرة للحدود.
وفي الجانب الفكري والتواصلي، سجلت الجمعية تنظيم 16 ندوة فكرية و5 ندوات صحفية، في إطار سعيها إلى مواكبة القضايا الحقوقية والسياسية والاجتماعية المطروحة للنقاش العمومي. كما أصدرت خلال الفترة نفسها 75 بيانا وبلاغا، إلى جانب إعداد 13 تقريرا ووثيقة حقوقية، بما يعكس اعتمادها على آلية الرصد والتوثيق والتعبير عن المواقف باعتبارها إحدى الأدوات الأساسية في عملها المؤسساتي.
ويبرز في هذه الحصيلة كذلك البعد الدولي للعمل الحقوقي للجمعية، من خلال إعداد 9 مذكرات وتقارير موجهة إلى الآليات الأممية المعنية بحقوق الإنسان. ويعكس هذا الجانب حرص الجمعية على نقل الملفات التي تتتبعها إلى مختلف آليات الترافع الدولية، وربط القضايا الحقوقية الوطنية بالمنظومة الدولية لحقوق الإنسان، خصوصا في القضايا التي ترى الجمعية أنها تستدعي اهتماما أمميا أو متابعة من الهيئات المختصة.
أما على مستوى الترافع القضائي، فتشير الحصيلة إلى مواكبة الجمعية لـ 12 ملفا قضائيا تهم عشرات المعتقلين السياسيين والمعتقلات السياسيات، إلى جانب تقديم خمس شكايات أمام رئاسة النيابة العامة بشأن قضايا اعتبرتها الجمعية ذات أبعاد حقوقية وإنسانية. ويشكل هذا الجانب من العمل أحد أبرز مجالات تدخل الجمعية، بالنظر إلى تركيزها على مؤازرة الأشخاص الذين تعتبر أنهم تعرضوا لانتهاكات أو مساس بحقوقهم، والسعي إلى إثارة الملفات أمام الجهات القضائية والمؤسسات المعنية.
ولم يقتصر الحضور الميداني على الترافع القانوني، إذ سجلت الجمعية تأطير 20 تحركا تضامنيا وترافعيا، من بينها 14 وقفة ميدانية وست حملات رقمية. ويعكس الجمع بين الاحتجاج الميداني والتعبئة الرقمية تحولا في أدوات العمل الحقوقي، حيث أصبحت المنصات الرقمية فضاء موازيا للتعبير والترافع والتعريف بالقضايا الحقوقية، إلى جانب الأشكال التقليدية للاحتجاج والتضامن.
وتكشف هذه الأرقام أيضا عن محاولة الجمعية الحفاظ على حضورها في الفضاء العمومي، ليس فقط من خلال البيانات والتقارير، وإنما عبر النزول إلى الميدان ومواكبة الملفات التي تعتبرها ذات أولوية. فالوقفة الاحتجاجية والحملة الرقمية والندوة الفكرية والتقرير الحقوقي كلها أدوات مختلفة، لكنها تلتقي في هدف واحد يتمثل في إثارة الانتباه إلى القضايا التي ترى الجمعية أنها تمس الحقوق والحريات أو الكرامة الإنسانية.
وعلى المستوى التنظيمي، عقد المكتب المركزي للجمعية 27 اجتماعا خلال الفترة التي تغطيها الحصيلة، كما نظمت 14 لقاء جهويا ووطنيا تضامنيا وتواصليا، إلى جانب 5 لقاءات تكوينية وطنية بشراكة مع فاعلين ومؤسسات دولية. وتؤكد هذه المعطيات أن العمل الحقوقي للجمعية لا يقوم فقط على المبادرات الموجهة إلى الخارج، وإنما يرتكز أيضا على بناء القدرات الداخلية، وتطوير التواصل بين مختلف مكوناتها، وتعزيز التكوين الحقوقي لأعضائها ومناضليها.
وفي السياق نفسه، أصدرت الجمعية 22 تعميما ونداء موجها إلى فروعها، تناولت من خلالها مختلف القضايا التنظيمية والتحركات الميدانية. ويبرز هذا المعطى حجم البنية التنظيمية التي تعتمد عليها الجمعية في تنفيذ أنشطتها، خاصة أن عملها لا يتركز في المكتب المركزي وحده، وإنما يمتد عبر فروع محلية وجهوية تنشط في عدد من المناطق.
وتؤكد الجمعية أن هذه الأرقام لا تعكس سوى جزء من مجمل أنشطتها، إذ إن الحصيلة السنوية لا تشمل مختلف المبادرات اليومية التي تنجزها فروعها على المستوى المحلي. وهو ما يعني أن حجم العمل الحقوقي الفعلي يتجاوز الأرقام المعلنة في الحصيلة المركزية، باعتبار أن جزء كبيرا من التتبع والرصد والتواصل ومواكبة الشكايات والملفات يتم على المستوى المحلي والجهوي.
وفي الجانب الدولي، سجلت الجمعية مشاركتها في 13 لقاء ومؤتمرا دوليا ضمن شبكات وهيئات حقوقية عالمية، كما تم انتخابها ضمن هياكل قيادة بعض هذه الشبكات. وتعتبر الجمعية هذا الحضور مؤشرا على استمرار انخراطها في النقاش الحقوقي الدولي، وعلى سعيها إلى تعزيز حضورها داخل الفضاء الحقوقي العالمي، والاستفادة من آليات التعاون والترافع الدولي.
وتحتل القضية الفلسطينية ومناهضة التطبيع موقعا بارزا ضمن القضايا التي تؤكد الجمعية انخراطها فيها، حيث تواصل حضورها في المبادرات الحقوقية والتضامنية المرتبطة بالقضية الفلسطينية. ويأتي ذلك في إطار تصور الجمعية لحقوق الإنسان باعتبارها منظومة تتجاوز الحدود الوطنية، وتشمل الدفاع عن القضايا التي تعتبرها عادلة، ومناهضة ما تراه انتهاكا للحقوق الأساسية للشعوب.
كما شملت الحصيلة تتبع ومعالجة عشرات الشكايات التي توصلت بها الجمعية، إلى جانب العمل على تجديد هياكل عدد من فروعها المحلية والجهوية، وتحسين بنيتها التنظيمية وتحيين وثائقها الداخلية. ويكشف ذلك عن تداخل الجانب الحقوقي مع الجانب التنظيمي، باعتبار أن استمرارية العمل الميداني تحتاج إلى مؤسسات وهياكل قادرة على مواكبة التحولات التي يعرفها المجتمع والفضاء الحقوقي.
وبعد 47 سنة على تأسيسها، تقدم الجمعية المغربية لحقوق الإنسان نفسها باعتبارها واحدة من أبرز مكونات الحركة الحقوقية المغربية، وهي مسيرة ارتبطت بالدفاع عن الحقوق والحريات، ورصد الانتهاكات، ومؤازرة الضحايا، والترافع من أجل توسيع فضاء الحريات وترسيخ ثقافة حقوق الإنسان. وقد اختارت الجمعية أن تجعل من ذكرى تأسيسها مناسبة لعرض حصيلتها، ولكن أيضا للتأكيد على استمرارها في أداء الأدوار التي تعتبرها جزء من رسالتها التاريخية.
وتأتي هذه الذكرى في سياق حقوقي متغير، أصبحت فيه قضايا الحريات والتعبير والعدالة الاجتماعية والمساواة والحق في التنمية والخدمات الأساسية تحتل موقعا متقدما في النقاش العمومي. كما أن التحولات الرقمية أعادت تشكيل طبيعة العمل الحقوقي، وأصبحت وسائل التواصل الاجتماعي أداة للرصد والتوثيق والتعبئة، لكنها في الوقت نفسه فرضت تحديات جديدة مرتبطة بدقة المعلومات وسرعة انتشارها وصعوبة التحقق من بعض المعطيات.
وفي هذا السياق، تبدو الحصيلة التي قدمتها الجمعية بمثابة محاولة لتقديم صورة شاملة عن حضورها خلال سنة كاملة، من خلال الجمع بين التوثيق والترافع والعمل الميداني والتكوين والتواصل والحضور الدولي. كما تعكس الأرقام المعلنة رغبة في تحويل العمل الحقوقي إلى حصيلة قابلة للرصد والقياس، عبر عدد الندوات والبيانات والتقارير والشكايات والملفات القضائية والتحركات واللقاءات.
غير أن قيمة أي حصيلة حقوقية لا تقاس فقط بعدد الأنشطة المنجزة، وإنما كذلك بمدى قدرتها على إحداث أثر فعلي في حياة الضحايا والمواطنين، وفي تعزيز احترام الحقوق والحريات، وفي دفع المؤسسات إلى الاستجابة للشكايات والاختلالات التي يتم رصدها. وهو تحد يظل قائما أمام مختلف الفاعلين الحقوقيين، خصوصا في ظل اتساع الملفات الاجتماعية والاقتصادية وتعدد القضايا التي تحتاج إلى مواكبة وترافع.
وتؤكد الجمعية، من خلال هذه الحصيلة، أن مسارها لم ينته بتغير الظروف السياسية والاجتماعية التي رافقت مراحل تأسيسها، بل تعتبر أن الحاجة إلى الدفاع عن الحقوق والحريات ما تزال قائمة، وأن مهمتها تقتضي الاستمرار في الرصد والتوثيق والترافع ومؤازرة الضحايا ونشر الثقافة الحقوقية.
وبين 47 سنة من الوجود وحصيلة سنة جديدة من العمل، تحاول الجمعية المغربية لحقوق الإنسان التأكيد على أن الحركة الحقوقية لا تقاس فقط بطول عمرها، وإنما بقدرتها على مواكبة التحولات والاستجابة للقضايا الجديدة، مع الحفاظ على المبادئ التي قامت عليها. ومن هذا المنظور، فإن شعار الذكرى السابعة والأربعين لا يمثل مجرد عنوان احتفالي، بل يلخص رؤية الجمعية إلى المرحلة المقبلة، بما تحمله من استمرار في مواجهة ما تعتبره فسادا واستبدادا، والدفاع عن الحقوق والحريات، ومناهضة التطبيع، وتعزيز حضورها في الساحة الوطنية والدولية.
وهكذا، تضع الجمعية حصيلتها السنوية أمام الرأي العام باعتبارها شهادة على سنة من العمل المتواصل، لكنها في الوقت ذاته تحول ذكرى التأسيس إلى مناسبة لتجديد الالتزام بالدفاع عن الكرامة الإنسانية، في انتظار أن تظل الحقوق والحريات في صلب النقاش العمومي، وأن تتحول المبادئ المعلنة إلى ممارسة يومية تضمن للمواطن حقه في الكرامة والحرية والعدالة والمساواة.

التعليقات مغلقة.