الانتفاضة/ سلامة بريس
أحمدو الباز يعد من الأسماء البارزة في مجال القانون الدستوري والقانون الإداري في المغرب، حيث يجمع بين المسار الأكاديمي العميق والخبرة القانونية والمؤسساتية التي راكمها عبر سنوات من التدريس والبحث والممارسة العلمية داخل أبرز المؤسسات الجامعية والإدارية في المملكة. وقد رسخ حضوره في الحقل القانوني من خلال إسهاماته العلمية ومشاركته في تكوين أجيال من الطلبة والباحثين في مجالات العلوم القانونية والسياسية.
ينحدر الأستاذ أحمدو الباز من خلفية علمية متينة، حيث حصل على دكتوراه الدولة في العلوم السياسية، وهو ما مكنه من التخصص في قضايا الحكم، والدستور، وبنية المؤسسات السياسية والإدارية، وهي مجالات دقيقة تتطلب معرفة معمقة بالنظريات السياسية والقانونية، إلى جانب الإلمام بالتطورات التي تعرفها الأنظمة الدستورية المقارنة. هذا التكوين الأكاديمي الرفيع شكل الأساس الذي بنى عليه مساره المهني لاحقا، سواء في التدريس الجامعي أو في الممارسة المؤسساتية.
اشتغل الأستاذ الباز أستاذا للتعليم العالي بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية التابعة لجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، وهي واحدة من أهم الكليات في المغرب من حيث الإشعاع العلمي وتكوين الكفاءات في مجالات القانون والاقتصاد والعلوم الاجتماعية. داخل هذه المؤسسة، ساهم في تدريس مواد مرتبطة بالقانون الدستوري والقانون الإداري، إضافة إلى مجالات أخرى مرتبطة بالعلوم السياسية والنظم السياسية المقارنة. وقد عرف في الوسط الجامعي بأسلوبه الأكاديمي الذي يجمع بين الدقة العلمية والقدرة على تبسيط المفاهيم القانونية المعقدة للطلبة.
ولا يقتصر دور الأستاذ الباز على التدريس فقط، بل يمتد أيضا إلى الإشراف على البحوث العلمية ومناقشة الأطروحات الجامعية، حيث ساهم في تأطير عدد من الطلبة الباحثين في سلك الماستر والدكتوراه. ويعد هذا الدور من أهم أدوار الأستاذ الجامعي، لأنه يساهم في إنتاج المعرفة القانونية وتطوير البحث العلمي داخل الجامعات المغربية، خاصة في مجالات حساسة مثل القانون الدستوري الذي يرتبط مباشرة ببنية الدولة ومؤسساتها.
إلى جانب عمله في جامعة الحسن الثاني، زاول الأستاذ أحمدو الباز التدريس أيضا بالمدرسة الوطنية للإدارة بالرباط، وهي مؤسسة تكوينية مرموقة تعنى بإعداد أطر الدولة العليا وتكوين المسؤولين الإداريين. وجوده في هذه المؤسسة يعكس الثقة التي حظي بها على المستوى العلمي والمهني، إذ تُعتبر المدرسة الوطنية للإدارة فضاءً لتكوين النخب الإدارية التي تتولى مناصب قيادية داخل الإدارة العمومية. ومن خلال هذا العمل، ساهم الأستاذ الباز في نقل خبراته النظرية والتطبيقية إلى أطر الدولة، مما يعزز جودة التكوين الإداري في المغرب.
ويلاحظ أن الجمع بين التدريس الجامعي والتكوين في مؤسسة إدارية عليا يعكس تكاملا في مسار الأستاذ الباز، حيث يجمع بين الجانب النظري الأكاديمي والبعد التطبيقي العملي. هذا التكامل يمنحه رؤية شاملة حول كيفية تفاعل النصوص الدستورية والقانونية مع الواقع الإداري والمؤسساتي، وهو ما يعد عنصرا أساسيا في مجال القانون الدستوري والقانون الإداري.
وقد تميز مسار الأستاذ أحمدو الباز أيضا بتوليه عضوية المحكمة الدستورية بالمغرب، بعد أدائه القسم بين يدي صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله. وتعد المحكمة الدستورية مؤسسة دستورية عليا تضطلع بمهام أساسية تتعلق بمراقبة دستورية القوانين، وضمان احترام الدستور، والفصل في النزاعات الانتخابية ذات الطابع الدستوري. وبالتالي فإن عضويته داخل هذه المؤسسة تعكس مكانته العلمية والقانونية المرموقة، وتؤكد الثقة التي تحظى بها كفاءته في مجال الدستور والقانون العام.
إن انخراط الأستاذ الباز في العمل داخل المحكمة الدستورية يفتح أمامه مجالا أوسع للمساهمة في حماية الشرعية الدستورية وتعزيز دولة القانون. فالمحكمة الدستورية تلعب دورا محوريا في النظام السياسي المغربي، إذ تضمن توافق التشريعات مع الدستور، وتراقب مدى احترام المؤسسات العمومية للقواعد الدستورية، مما يجعل عمل أعضائها ذا طابع حساس ودقيق يتطلب خبرة علمية وقانونية عالية.
ومن خلال مساره الأكاديمي والقانوني، يعتبر الأستاذ أحمدو الباز نموذجا للأكاديمي الذي استطاع أن يربط بين البحث العلمي والممارسة المؤسساتية. فالكثير من الأكاديميين يظلون في المجال النظري فقط، بينما استطاع هو أن يساهم كذلك في عمل مؤسسات دستورية عليا، ما يمنحه تجربة مزدوجة تجمع بين التنظير والتطبيق.
كما أن تخصصه في القانون الدستوري والقانون الإداري يجعله قريبا من أهم القضايا المرتبطة بتنظيم السلطة، وفصل السلط، وعلاقة المواطن بالإدارة، وضمان الحقوق والحريات. وهي قضايا مركزية في أي نظام ديمقراطي حديث، وتكتسي أهمية خاصة في السياق المغربي الذي عرف تطورات دستورية مهمة خلال العقود الأخيرة.
ويبرز المسار العلمي للأستاذ الباز أهمية التكوين الأكاديمي في بناء الكفاءات الوطنية، حيث إن حصوله على دكتوراه الدولة في العلوم السياسية لم يكن مجرد شهادة علمية، بل كان بوابة نحو التخصص العميق في قضايا الدولة والمؤسسات. وقد انعكس هذا التكوين على أدائه التدريسي وعلى مشاركته في النقاشات القانونية والفكرية داخل الجامعة وخارجها.
وفي المجمل، يمكن القول إن مسار الأستاذ أحمدو الباز يعكس نموذجا لعالم القانون الذي يجمع بين المعرفة النظرية والخبرة العملية، وبين التدريس الجامعي والمشاركة في المؤسسات الدستورية العليا. وهو مسار يظهر كيف يمكن للبحث العلمي أن يتحول إلى أداة فعالة في خدمة الدولة والمؤسسات، وكيف يمكن للأكاديميين أن يساهموا في تطوير الحياة الدستورية والقانونية بشكل مباشر.
إن حضور الأستاذ الباز في المحكمة الدستورية وفي الجامعة وفي مؤسسة التكوين الإداري يعكس ثلاثية مهمة: إنتاج المعرفة، نقل المعرفة، وتطبيق المعرفة. وهي ثلاثية تجعل من مساره مثالا على التكامل بين الفكر والممارسة في مجال القانون العام.
وبذلك، يظل الأستاذ أحمدو الباز أحد الوجوه الأكاديمية والقانونية التي ساهمت في تعزيز النقاش الدستوري في المغرب، وفي تكوين أجيال من الطلبة والمسؤولين، وفي خدمة المؤسسات الدستورية التي تشكل عماد دولة القانون والمؤسسات.