بين العزلة والتنمية..ساكنة أزيلال تطالب بحقها في الخدمات الأساسية

0

الانتفاضة/ سلامة السروت

عادت قضية فك العزلة عن المناطق القروية إلى واجهة النقاش العمومي من جديد، بعد المسيرة الاحتجاجية التي نظمها عشرات المواطنين المنحدرين من دواوير جماعة تفني بإقليم أزيلال، والذين خرجوا للمطالبة بتحسين أوضاعهم الاجتماعية والتنموية ورفع ما يعتبرونه تهميشاً طال المنطقة لسنوات طويلة. وقد شكل هذا التحرك الاحتجاجي مناسبة جديدة للتعبير عن حجم المعاناة التي تعيشها ساكنة عدد من المناطق الجبلية والقروية بالمغرب، حيث لا تزال المطالب الأساسية المرتبطة بالبنية التحتية والخدمات العمومية تتصدر أولويات المواطنين.

وشهدت جماعة تفني، الواقعة بإقليم أزيلال، خروج عدد من السكان في مسيرة احتجاجية رافعين شعارات تدعو إلى تحسين الطرق وفك العزلة وتوفير الخدمات الأساسية التي تضمن الحد الأدنى من شروط العيش الكريم. غير أن المسيرة لم تصل إلى وجهتها بعدما تدخلت السلطات العمومية ومنعت المحتجين من مواصلة السير، معتبرة أن الشكل الاحتجاجي لم يحصل على الترخيص اللازم وفق المساطر القانونية المعمول بها.

ورغم توقيف المسيرة، فإن الرسائل التي أراد المحتجون إيصالها وجدت صدى واسعا، خاصة أن المطالب التي رفعتها الساكنة لا ترتبط بقضايا ظرفية أو فئوية ضيقة، وإنما تتعلق بحقوق أساسية تعتبر مدخلا ضروريا لتحقيق التنمية المحلية وتقليص الفوارق المجالية. فالمحتجون عبروا عن حاجتهم إلى طرق معبدة وآمنة تمكنهم من التنقل في ظروف أفضل، وإلى خدمات إدارية أكثر مرونة تراعي خصوصية المجال القروي، إضافة إلى تحسين البنية التحتية وتوفير النقل المدرسي وتعزيز الخدمات الاجتماعية المختلفة.

وتعد مسألة الطرق من أبرز الإشكالات التي تؤرق ساكنة العديد من المناطق الجبلية بإقليم أزيلال ومناطق أخرى من المملكة. فالطرق غير المهيأة أو المتضررة بفعل العوامل الطبيعية تجعل التنقل أمرا بالغ الصعوبة، خاصة خلال فصل الشتاء أو عند التساقطات المطرية والثلجية. كما تؤثر بشكل مباشر على ولوج السكان إلى الخدمات الصحية والتعليمية والإدارية، وتزيد من كلفة نقل الأشخاص والبضائع، الأمر الذي ينعكس سلبا على الوضع الاقتصادي والاجتماعي للأسر.

وتؤكد شهادات عدد من سكان المناطق القروية أن العزلة لا تعني فقط صعوبة التنقل، بل تشمل أيضاً محدودية فرص الاستثمار والتشغيل وضعف الخدمات الأساسية، وهو ما يدفع العديد من الشباب إلى الهجرة نحو المدن الكبرى بحثا عن فرص أفضل للحياة والعمل. ونتيجة لذلك، تجد العديد من القرى نفسها أمام تحديات ديموغرافية وتنموية متزايدة تهدد استقرارها ومستقبلها.

وتشير المعطيات المتداولة إلى أن ساكنة دواوير جماعة تفني سبق لها أن سلكت قنوات التواصل المؤسساتية قبل اللجوء إلى الاحتجاج. فقد قامت، بحسب ما أفادت به مصادر محلية، بمراسلة عدد من المسؤولين، من بينهم رئيس الحكومة ووزير التجهيز والنقل وعامل إقليم أزيلال، من أجل المطالبة بإعادة تهيئة وتوسيع وإصلاح الطريق التي تعتبر شرياناً حيوياً للمنطقة. غير أن هذه المطالب، حسب المحتجين، لم تجد التجاوب المأمول، ما دفعهم إلى التعبير عن استيائهم من خلال تنظيم مسيرة احتجاجية سلمية.

ويطرح هذا المعطى إشكالية العلاقة بين المواطنين والمؤسسات، ومدى قدرة آليات التواصل والتفاعل الإداري على الاستجابة لمطالب الساكنة في الوقت المناسب. فحين يشعر المواطن بأن مطالبه لا تجد طريقها إلى التنفيذ رغم المراسلات والطلبات المتكررة، يصبح الاحتجاج بالنسبة إليه وسيلة للتعبير عن معاناته وجلب الانتباه إلى أوضاعه.

ولا تقتصر هذه الدينامية الاحتجاجية على إقليم أزيلال وحده، بل أصبحت ظاهرة ملحوظة في عدد من المناطق القروية والجبلية خلال الأشهر الأخيرة. فرغم اختلاف المواقع الجغرافية والخصوصيات المحلية، إلا أن القاسم المشترك بين معظم هذه الاحتجاجات يتمثل في المطالبة بفك العزلة وتحسين الخدمات العمومية وتقليص الفوارق المجالية. وهو ما يعكس وجود تحديات بنيوية ما تزال تواجه التنمية القروية في عدد من الجهات.

وفي السنوات الأخيرة، أطلقت الدولة المغربية مجموعة من البرامج والمشاريع الهادفة إلى تحسين ظروف العيش بالعالم القروي، من خلال توسيع شبكة الطرق القروية وتعميم التزود بالماء الصالح للشرب والكهرباء وتعزيز البنيات الصحية والتعليمية. كما تم إطلاق مبادرات متعددة في إطار النموذج التنموي الجديد الذي جعل من تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية أحد أبرز أهدافه الاستراتيجية.

غير أن حجم التحديات المطروحة واتساع المجال القروي يجعلان وتيرة الاستجابة أحيانا أقل من تطلعات الساكنة، خاصة في المناطق الجبلية الوعرة التي تتطلب استثمارات كبيرة وجهودا تقنية ولوجستية خاصة. ولذلك فإن استمرار الاحتجاجات في بعض المناطق يعكس الحاجة إلى تسريع وتيرة الإنجاز وتعزيز التواصل مع المواطنين بشأن المشاريع المبرمجة وآجال تنفيذها.

كما تثير هذه الاحتجاجات نقاشا متجددا حول مفهوم العدالة المجالية وأهمية تحقيق تنمية متوازنة بين المدن والقرى. فالمواطن القروي اليوم لم يعد يطالب بامتيازات استثنائية، بل بحقوق أساسية تعتبر جزءاً من مقومات المواطنة الكاملة، مثل الطريق والمدرسة والمركز الصحي والنقل العمومي والماء الصالح للشرب والخدمات الإدارية القريبة من الساكنة.

ويعتبر عدد من المتابعين أن معالجة هذه المطالب لا ينبغي أن تقتصر على الحلول الظرفية أو التدخلات المحدودة، بل تتطلب رؤية تنموية شاملة تأخذ بعين الاعتبار خصوصيات كل منطقة وحاجياتها الفعلية. كما تستوجب إشراك الساكنة المحلية في تحديد الأولويات وتتبع تنفيذ المشاريع، بما يعزز الثقة بين المواطنين والمؤسسات ويضمن توجيه الموارد نحو المجالات الأكثر إلحاحا.

ومن جهة أخرى، فإن الاحتجاج السلمي يظل من الوسائل المشروعة للتعبير عن المطالب الاجتماعية والتنموية في إطار احترام القانون والمؤسسات. وفي المقابل، يبقى من مسؤولية الجهات المعنية الإنصات لانشغالات المواطنين والعمل على إيجاد حلول عملية ومستدامة للمشكلات المطروحة، بما يكرس مبادئ الحكامة الجيدة ويعزز الشعور بالإنصاف والمساواة بين مختلف مناطق المملكة.

إن ما وقع بجماعة تفني لا يمكن فصله عن النقاش الوطني حول التنمية القروية وتقليص الفوارق المجالية. فالرسالة التي حملها المحتجون تتجاوز حدود منطقة معينة لتطرح سؤالاً أوسع يتعلق بمدى استفادة جميع المواطنين من ثمار التنمية بشكل متكافئ. كما تعكس تطلع سكان العالم القروي إلى تحسين أوضاعهم والمشاركة الكاملة في مسار التنمية الوطنية.

وفي انتظار ما ستسفر عنه التفاعلات المقبلة بين الساكنة والجهات المسؤولة، يبقى الأمل معقوداً على إيجاد حلول عملية تستجيب للمطالب المشروعة للمواطنين وتساهم في تحسين ظروف عيشهم. ففك العزلة عن المناطق القروية ليس مجرد مشروع بنية تحتية، بل هو مدخل أساسي لتحقيق التنمية والعدالة الاجتماعية وتعزيز الاستقرار، وضمان استفادة جميع المغاربة من الحقوق والخدمات الأساسية دون تمييز أو إقصاء.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.