الانتفاضة/ ابراهيم أكرام
في سياق حركية تنظيمية متسارعة تهدف إلى إعادة ترتيب الأوراق السياسية وتكثيف التعبئة الميدانية، شكلت ضيعة البرلماني عبد اللطيف الزعيم بمدينة ابن جرير، يوم السبت 30 ماي 2026، لقاء تواصلي بارز نظمه حزب الأصالة والمعاصرة بإقليم الرحامنة. هذا اللقاء الذي جمع نخبة من قيادات الحزب، ومنتخبيه، ومناضليه بالمنطقة، لم يكن مجرد اجتماع عادي، بل جاء ليعكس رغبة حقيقية في ضخ دماء جديدة في شرايين التنظيم الحزبي، وتدارس مختلف القضايا السياسية والتنظيمية الراهنة، تأهباً للاستحقاقات الانتخابية المقبلة التي باتت تفرض نفسها كأولوية قصوى على أجندة القيادة الإقليمية والجهوية للبام.
وقد تميزت بداية هذا الموعد السياسي بتأكيد جماعي على الأهمية البالغة التي تكتسيها المرحلة الحالية في مسار الحزب بالإقليم، حيث اعتبر الحاضرون أن توقيت اللقاء يحمل دلالات قوية ترتبط بضرورة رص الصفوف وتجاوز القراءات الضيقة لتحديات المرحلة. وفي هذا الصدد، ركز سيدي محمد صلاح الخير، رئيس الأمانة الإقليمية للحزب، في كلمته التوجيهية، على المحاور الكبرى التي يجب أن تحكم العمل الحزبي مستقبلا، مشددا على أن تقوية البناء التنظيمي الداخلي، وتفعيل قنوات التواصل المستمر بين القواعد والقيادة، يشكلان الحجر الأساس لبناء تنظيم متماسك وقادر على الصمود والمنافسة، كما أشار إلى أن كسب رهان المرحلة يمر حتما عبر تعزيز جسور الثقة المتبادلة وبلورة رؤية سياسية واضحة المعالم، تضع مصالح ساكنة إقليم الرحامنة والدفاع عن قضاياها التنموية فوق كل اعتبار.

من جانبه، حظيت مبادرة عقد هذا اللقاء التواصلي بإشادة واسعة من لدن رئيس جماعة ابن جرير، عبد اللطيف وردي، الذي اعتبر أن مثل هذه المحطات التنظيمية تعد صمام أمان الحفاظ على تماسك الحزب وتقوية لحمته الداخلية، مستعرضاً في الوقت ذاته جملة من المنجزات والمكتسبات الهامة التي حققها حزب الأصالة والمعاصرة سواء على المستوى الوطني من خلال مشاركته الحكومية، أو على المستوى المحلي عبر تدبيره للمجالس المنتخبة، مبرزا أن هذه الحصيلة المشرفة تشكل قاعدة صلبة للانطلاق نحو المستقبل، شريطة التسامي عن الخلافات الهامشية وتغليب المصلحة العليا للحزب، والإنخراط الفعلي والمسؤول في إنجاح كافة المحطات السياسية المقبلة لضمان استمرارية الريادة الحزبية بالمنطقة.
ولم تغب المقاربة الجهوية والإنصات للقواعد عن مجريات هذا النقاش المستفيض، حيث أكدت ممثلة جهة مراكش آسفي، الزوهرة الغندور، على ضرورة إرساء ثقافة الإنصات لمختلف الآراء والتفاعل الإيجابي والسريع مع انتظارات وتطلعات المناضلين والمواطنين على حد سواء، مبرزة أن القرب من القواعد هو السر الحقيقي وراء النجاحات التاريخية للحزب في إقليم يعتبر معقلا سياسيا إستراتيجيا للأصالة والمعاصرة، ودعت في هذا الإطار إلى ضرورة تثمين المنجزات التنموية الكبرى التي شهدها الإقليم على مدار السنوات الأخيرة، واستثمار هذا الرصيد الإيجابي لتعزيز موقع الحزب وحضوره في المشهد السياسي المحلي والإقليمي.
وفي ذات السياق، أبى البرلماني عبد اللطيف الزعيم، مستضيف اللقاء، إلا أن يضع الحاضرين في صورة التحولات البنيوية والعميقة التي عاشها إقليم الرحامنة بصفة عامة، ومدينة ابن جرير بصفة خاصة، خلال السنوات الماضية، مؤكدا أن المدينة تحولت إلى قطب علمي وتنموي رائد بفضل الجهود المتواصلة والمشاريع النوعية التي ساهم الحزب في إخراجها وتتبعها، وأوضح الزعيم أن استكمال هذا المسار التنموي الطموح يستدعي اليوم تعبئة جماعية غير مشروطة، والعمل على استعادة الزخم التنظيمي القوي للحزب، من خلال فتح الأبواب أمام الكفاءات المحلية، وإدماج الطاقات الشابة الواعدة في مراكز القرار الحزبي لضمان التجديد والاستمرارية.
ولإضفاء البعد الوطني والمؤسساتي على اللقاء، تدخل أحمد التويزي، رئيس فريق الأصالة والمعاصرة بمجلس النواب، مقدما قراءة تحليلية للمسار السياسي الحافل الذي راكمه الحزب منذ تأسيسه، معتبرا أن “البام” بات يشكل رقما صعبا ومعادلة أساسية في المشهد السياسي المغربي، وحث التويزي مناضلي الإقليم على ضرورة صيانة هذا الإرث السياسي والتنظيمي الهام وعض النواجد عليه، لافتا إلى أن وجود اختلافات في وجهات النظر أو تباين في الآراء داخل التنظيم هو ظاهرة صحية وأمر طبيعي جدا يعكس حيوية الحزب وديمقراطيته الداخلية، شريطة أن يتم تدبير هذه الاختلافات في إطار من الحوار المسؤول، والبحث الدائم عن التوافقات الإيجابية التي تخدم وحدة الحزب وتماسك أجهزته وتصون أهدافه المسطرة.

أما الكلمة التي أثارت حماس الحاضرين وأعادت وهج البدايات التأسيسية، فكانت تلك التي ألقاها ياسين جندر باسم منظمة الشباب، حيث أخذ الحضور في رحلة استرجاعية لمسار التنمية الحقيقية التي انطلقت منذ ولادة الحزب في هذا الإقليم التاريخي، موجها نداء حارا يدعو فيه إلى “وعي وجودي” عميق يفرض على الجميع مشاركة مكثفة ونوعية من أجل العودة إلى الأصل، وإعادة الروح إلى الجسد التنظيمي، معتبرا أن تجاوز العثرات والكبوات السابقة هو جزء من صيرورة النضج السياسي، كما استغل جندر الفرصة للإشادة بالأرقام القياسية وغير المسبوقة التي حققتها تدخلات وتساؤلات البرلماني عبد اللطيف الزعيم تحت قبة مجلس النواب، مبرزا دفاعه المستميت عن مصالح الإقليم، ليختم مداخلته بعبارة بليغة هزت القاعة قائلا: ”لقد هرمنا من أجل هذه اللحظة التاريخية”، داعياً كافة المناضلين إلى الالتفاف حول مشروع الحزب للعودة السريعة والقوية إلى الواجهة، وموجها رسالة مشفرة لخصوم الحزب مؤداها أن من يعتقد أن التراجع الطفيف في محطة ما هو نهاية للمسار، فهو واهم ولا يعرف حقيقة الطينة الصلبة لرجالات ونساء الرحامنة.
وفي المحصلة، عكس هذا اللقاء التواصلي الحاشد بضيعة الزعيم، حجم الدينامية الجديدة التي يريد حزب الأصالة والمعاصرة إطلاقها من قلب إقليم الرحامنة، حيث بدا واضحا من خلال نبرة المداخلات ومستوى النقاش، أن هناك وعيا جماعيا بضرورة طي صفحات الخلاف وبدء مرحلة جديدة من العمل الميداني الجاد، فاللقاء لم يكن مجرد منصة لإلقاء الخطب، بل كان ورشة عمل حقيقية لرسم معالم خارطة طريق واضحة ومحددة الأهداف، تتوخى الحفاظ على المكتسبات، ومعالجة الاختلالات التنظيمية، والنزول إلى الشارع لملامسة هموم المواطنين وإعادة كسب ثقتهم، استعداداً لمعركة انتخابية قادمة يرى فيها الباميون فرصة متجددة لتأكيد ريادتهم السياسية والتزامهم التاريخي والراسخ بتنمية عاصمة الرحامنة ومحيطها القروي.
