الجمعية المغربية لحقوق الإنسان تدق ناقوس الخطر بشأن تنامي الجريمة بمجمع “دار السلام” بمراكش.

0

الانتفاضة/ شاكر ولد الحومة

يعيش المجمع السكني “دار السلام”، التابع للجماعة الترابية “سعادة” بضواحي مراكش، على وقع طفرة عمرانية وكثافة سكانية متزايدة خلال السنوات الأخيرة. هذا القطب الحضري الواعد، الذي استقطب آلاف الأسر الباحثة عن الاستقرار والسكينة بعيدا عن صخب وسط المدينة، بات يواجه اليوم تحديا حقيقيا يهدد سلمه الاجتماعي. فخلف الواجهات الحديثة للإقامات السكنية، يتسلل قلق متزايد بين الساكنة جراء تنامي مظاهر الجريمة، والانحراف، والسرقة الموصوفة، وسط مطالب ملحة بتدخل أمني حازم يعيد الطمأنينة إلى النفوس. هذا الوضع المقلق دفع بفرع المنارة للجمعية المغربية لحقوق الإنسان إلى الخروج عن صمته وتوجيه مراسلات رسمية استعجالية إلى أعلى السلطات بالجهة، وعلى رأسهم والي جهة مراكش آسفي، وعامل عمالة مراكش، ووالي الأمن، بالإضافة إلى القيادة الجهوية للدرك الملكي ورئاسة الجماعة الترابية سعادة، لدق ناقوس الخطر بشأن ما وصفته بـ”تراجع الإحساس بالأمن” وتكرار الاعتداءات التي تمس سلامة المواطنين ومنتجاتهم.

ولم يعد الحديث عن الانفلات الأمني مجرد انطباعات عابرة أو مخاوف مبالغ فيها، بل أضحى واقعا تعززه شهادات حية وإفادات دقيقة أدلى بها سكان المنطقة للهيئات الحقوقية. وتتنوع هذه المظاهر بين سرقة الدراجات النارية والعادية من داخل الإقامات المحروسة، واعتراض سبيل المارة في النقط السوداء وسلبهم ممتلكاتهم تحت التهديد بالسلاح الأبيض أو باستعمال العنف البدني. ومن بين الوقائع الصادمة التي اهتز لها الرأي العام المحلي مؤخرا، ما تعرض له أحد شباب الحي في 17 أبريل 2026؛ فبينما كان يمارس رياضة الجري في محيط مدرسة “دار السلام” الابتدائية، اعترض سبيله شخصان يمتطيان دراجة نارية، حيث اتسم الاعتداء بعنف مفرط أدى إلى إسقاط الشاب أرضا وتفتيشه بالقوة، مما خلف لديه ولدى أسرته أضرارا بدنية ونفسية بليغة. ولم تقف الأمور عند هذا الحد، بل شهد الحي قبل أيام قليلة من عيد الأضحى حادثا بالغ الخطورة بالقرب من مسجد الحي، حيث تعرض أحد السكان لاعتداء جماعي عنيف تمثل في رشق سيارته بوابل من الحجارة، مما تسبب في تخريبها بالكامل والاستيلاء على محتوياتها، في خسائر مادية قدرت بأزيد من سبعين ألف درهم.

ويرجع فاعلون محليون وحقوقيون أسباب هذا التدهور إلى الهوة الشاسعة بين وتيرة التوسع العمراني السريع للمجمع السكني ومحيطه، وبين التغطية الأمنية المرصودة له. فجماعة “سعادة” لم تعد تلك المنطقة القروية الهادئة، بل تحولت إلى امتداد للمجال الحضري لمراكش بكثافة سكانية هائلة تتطلب آليات تدبير أمني تواكب هذا التحول. إن محدودية الإمكانات البشرية واللوجستيكية المرصودة للمصالح الأمنية والدركية بالمنطقة تجعل من الصعب التغطية الشاملة لكافة الأزقة والإقامات، مما يستغله الخارجون عن القانون لتنفيذ عملياتهم والفرار بكل سهولة. وإلى جانب الجريمة المباشرة، تعاني الساكنة من ظواهر تؤرق مضجعها اليومي، لعل أبرزها تفشي تجارة واستهلاك المخدرات والمؤثرات العقلية بين صفوف بعض الشبان والمراهقين، والذين يتخذون من بعض النقط المظلمة والفضاءات غير المكتملة مكانا للتجمع، مما يشكل الخزان الرئيسي والوقود المغذي لجرائم السرقة والاعتداء. فضلا عن ذلك، تشهد شوارع المجمع ظاهرة “السياقة الاستعراضية والخطيرة” للدراجات النارية، خاصة في الفترات الليلية، وما يصاحبها من ضوضاء عارمة وتهديد مباشر لسلامة الراجلين والأطفال.

وفي قراءتها للوضع، انطلقت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان من مرجعيات كونية ووطنية تؤكد أن الحق في الأمن والأمان هو أساس الاستقرار والنماء. وذكرت الجمعية بالمادة الثالثة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان التي تنص على حق كل فرد في الحياة والحرية والأمان على شخصه، والمادة السابعة عشرة التي تحمي حق التملك وعدم تجريد الشخص من ملكه تعسفا. أما على المستوى التشريعي الوطني، فقد استندت المراسلة الحقوقية إلى الدستور المغربي، وتحديدا الفصل 21 الذي ينص صراحة على أن لكل فرد الحق في سلامة شخصه وأقربائه وحماية ممتلكاته، ويضع على عاتق السلطات العمومية التزاماً بضمان هذا الأمن وحماية الحقوق والحريات، بالإضافة إلى الفصل 35 الذي يكرس حماية حق الملكية الخاصة ويضمن صونها من أي مساس غير مشروع. وبناء على هذه الترسانة القانونية، فإن توفير الأمن للمواطنين ليس مجرد خدمة ثانوية، بل هو التزام دستوري وقانوني ثابت يستوجب إستراتيجيات استباقية ووقائية تمنع الجريمة قبل وقوعها وتضرب على أيدي العابثين بطمأنينة المجتمع.

ولم تكتفِ الهيئة الحقوقية برصد الاختلالات، بل وضعت أمام السلطات الإقليمية والأمنية مقترحات عملية ومطالب عاجلة قادرة على قلب المعادلة الأمنية بالحي. وتأتي في مقدمة هذه المطالب ضرورة تعزيز الحضور الأمني الميداني عبر تكثيف الدوريات الأمنية والدركية، الراجلة والمتحركة، على مدار الساعة، وخاصة في النقط السوداء وخلال الفترات الليلية التي يكثر فيها نشاط المنحرفين. كما شددت الجمعية على وجوب دعم الموارد البشرية واللوجستيكية للمصالح الأمنية المختصة بما يتناسب مع الامتداد الديمغرافي والجغرافي الكبير للمنطقة. وفي سياق متصل، طالبت المراسلة باتخاذ تدابير حازمة لتجفيف منابع ترويج المخدرات والمؤثرات العقلية وسط الأحياء السكنية، والتصدي الصارم لظاهرة السياقة الخطيرة للدراجات النارية التي تزعج السكينة العامة وتهدد سلامة المواطنين.

ومن بين الحلول الجوهرية التي تضمنتها الرسالة، التعجيل بإحداث أو تفعيل مرفق أمني قار أو مركز للشرطة داخل المجمع السكني، بما يضمن تقريب الخدمات الأمنية من الساكنة ويسهل الاستجابة السريعة والآنية لشكايات المواطنين ونداءات الاستغاثة. ولم تغفل الجمعية أهمية المقاربة التشاركية في تدبير هذا الملف المقلق، حيث دعت إلى وضع آلية تنسيق دورية ومستمرة تجمع بين السلطات الأمنية، السلطات المحلية، الجماعة الترابية، والفعاليات المدنية وممثلي الساكنة، من أجل تتبع الوضع الأمني عن كثب واقتراح الحلول الكفيلة بتحسينه وضمان استدامته.

إن ما يشهده المجمع السكني “دار السلام” بجماعة سعادة هو نموذج حي للتحديات الكبرى التي تواجه الأقطاب الحضرية الجديدة بالمملكة، عندما يسبق التوسع العمراني السريع التخطيط الأمني والمرفقي الموازي. إن صرخة الساكنة اليوم، والتي تبنتها الجمعية المغربية لحقوق الإنسان عبر رئيس فرعها المصطفى الفاز، هي نداء مسؤول من أجل الاستباق وتفادي أي انزلاقات أشد خطورة قد تمس بالنظام العام أو تؤدي إلى شعور باليأس وسط المواطنين. والكرة الآن باتت في مرمى السلطات الولائية والأمنية بمراكش، والمطالبة بترجمة التزاماتها الدستورية إلى إجراءات ملموسة وحملات تطهيرية واسعة على أرض الواقع، تعيد لحي “دار السلام” اسمه ومعناه الحقيقي كواحة للسلام، والأمان، والاستقرار، والعيش الكريم لجميع قاطنيه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.